الاقتصاد المغربي يتجاوز صدمة الطاقة الإقليمية ويسجل نمواً بـ 4% بالاعتماد على الفلاحة والخدمات
أفادت المندوبية السامية للتخطيط، في نشرة الظرفية الاقتصادية للربع الثاني من سنة 2026، بأن الاقتصاد الوطني أظهر صموداً لافتاً في مواجهة الأزمة الجيوسياسية الناجمة عن اندلاع الحرب في إيران وتداعيات الصدمة الطاقية العالمية؛ إذ سجل الناتج الداخلي الخام نمواً بنسبة 4% خلال الفصل الثاني، مع توقعات بزيادة منسوب النمو ليصل إلى 4.1% خلال الفصل الثالث و4.7% في الفصل الرابع من السنة ذاتها.
وأوضحت المندوبية أن الصدمة الخارجية، التي تسببت في قفزة لأسعار المواد الأولية الطاقية والتجهيزية عالمياً، انعكست سلبياً على القطاعات الثانوية والمصنعة محلياً والتي انكمشت قيمتها المضافة بـ 3.9%. غير أن الأداء القوي للقطاع الأولي (الفلاحة) بنمو بلغت نسبته 20.9%، إلى جانب ثبات قطاع الخدمات بنسبة 4%، شكلا صمام أمان لاستمرار التوسع الاقتصادي والتخفيف من حدة الارتفاع في تكاليف الإنتاج والمدخلات الطاقية.
الطلب الداخلي يمتص الصدمة واستمرار استقرار التضخم
أشارت النشرة الرسمية إلى أن الطلب الداخلي استمر في لعب دور المحرك الأساسي للاقتصاد، حيث نمت نفقات استهلاك الأسر بنسبة 4.1% في الفصل الثاني، مدفوعة بتحسن فرص الشغل والانتعاش التدريجي لمستويات الدخل، إضافة إلى اتساع الإقبال على القروض الاستهلاكية (4.5% بنهاية يونيو).
وفي المقابل، شهد استثمار المقاولات (إجمالي تكوين رأس المال) تباطؤاً ملحوظاً، مسجلاً نمواً بنسبة 6.8% مقارنة بـ 10.8% في الفصل الأول من السنة، تأثراً بتراجع الربحية وضغوط تكاليف المواد المستوردة، فضلاً عن ركود نسبي في الطلب على العقار والسكن.
وعلى صعيد المؤشرات الماكرو-اقتصادية، اتسعت حاجة الاقتصاد الوطني إلى التمويل لتبلغ 22 مليار درهم خلال الفصل الثاني (مقابل 10.3 مليارات درهم في الفترة نفسها من العام الماضي)، نتيجة لارتفاع الفاتورة الطاقية وتوسع العجز التجاري، متزامناً مع استمرار التزامات الدولة المالية في الدعم العمومي ومشاريع الاستثمار. ورغم هذه الضغوط، نجحت السياسات المالية في كبح الجماح التضخمي ليستقر معدل التضخم دون مستوى 2%.
آفاق الفصل الثالث: كبح التضخم الغذائي وضغوط على أسواق المال والدرهم
تتوقع المندوبية أن يتواصل منحى النمو الحثيث خلال الفصل الثالث بنسبة 4.1%، مدعوماً بالأساس بالقطاع الفلاحي (19.9%) والخدمات كالإيواء والمطاعم (3.9%). وفي المقابل، يرجح أن تقل حدة انكماش الأنشطة الثانوية لتسجل -1.9% بفضل مرونة قطاعات السيارات والكهرباء والأغذية، في مقابل استمرار تباطؤ أنشطة النسيج والصناعات الكيماوية.
وساهم التراجع المرتقب في أسعار المواد الغذائية (-3.6%) — لا سيما الدواجن، الخضراوات، وزيت الزيتون (-11 نقطة) — في التخفيف من وطأة ارتفاع أسعار المحروقات والبنزين (+2.4 نقطة)، ليبقي معدل التضخم الكلي في مستويات متدنية (حوالي 0.3%).
أما على الصعيد المالي والنقدي:
الفائدة والسيولة: واصل بنك المغرب ضخ السيولة للقطاع البنكي لتلبية العجز الحاصل، مع الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25% للفصل السادس على التوالي، مسجلاً نمواً في القروض الموجهة للاقتصاد بـ 11.1%.
سوق الصرف: يُنتظر تراجع قيمة الدرهم بنسبة 2.2% مقابل اليورو وبـ 3.8% أمام الدولار الأمريكي.
بورصة الدار البيضاء: تتواصل الحركة التصحيحية لمؤشر “مازي” (MASI) بتراجع يرتقب أن يصل إلى 6.8%- على أساس سنوي، متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية وانخفاض أسهم قطاعات الكيماويات والكهرباء والفندقة، رغم ارتياح الرسملة الإجمالية للبورصة بنسبة 4%.
سيناريوهات الفصل الرابع: تفاؤل بالتعافي بين قيود التهدئة الجيوسياسية
تترقب المندوبية السامية للتخطيط تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.7% خلال الفصل الرابع من سنة 2026، متى ما استقرت أسعار الطاقة واكتملت برامج الصيانة الدورية في الصناعات الاستخراجية، واستعادت صادرات الفوسفاط والأسمدة زخمها نحو أسواق أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وأبرز التقرير سيناريو بديلاً أشد إيجابية؛ ففي حال انحسار التوترات الجيوسياسية وانخفاض أسعار النفط عالمياً، قد ينطلق الاقتصاد المغربي بسرعة أكبر ليصل معدل النمو إلى 5.3%، مدفوعاً بإنعاش الصناعات الكيميائية (+1.6%) وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن فتح جبهات توتر جديدة في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الوقود شتاءً يظلان المهدد الأساسي الذي قد يفرز ضغوطاً تضخمية إضافية تحد من قدرات الإنتاج والتوسع.