صحافيون وإعلاميون يدعون خلال مؤتمر بفاس إلى صحافة مسؤولة ورصينة في تناول الشأن الديني
دعا المشاركون في المؤتمر الدولي “ما وراء العناوين: الصحافة والدين والمجتمع”، الذي انطلقت أشغاله، اليوم الأربعاء بفاس، إلى ترسيخ صحافة تتسم بالدقة والمسؤولية والرصانة في تناول الشأن الديني، بعيدا عن الصور النمطية والتبسيط المخل في المعالجة التحريرية.
ويشارك في هذا المؤتمر الذي يستمر يومين أكثر من 30 صحفيا ومديرا للتحرير وجامعيا من المغرب والخارج. وينظم من طرف المدرسة العليا للأساتذة التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بشراكة مع الجمعية الدولية للصحفيين المتخصصين في الشأن الديني، بهدف بحث الممارسات الصحفية الكفيلة بتناول القضايا الدينية بمهنية ودقة، مع احترام تنوع المعتقدات وتجنب الاختزال والتبسيط في المعالجة التحريرية.
وفي كلمة خلال افتتاح هذا اللقاء، أوضح مدير المدرسة العليا للأساتذة بفاس، علي حيتوف، أن اختيار العاصمة الروحية للمملكة لاحتضان هذا النقاش يعود إلى ما تزخر به من تاريخ حضاري وفكري عريق، مشيرا الى أن فاس تحتضن، منذ أكثر من اثني عشر قرنا، جامعة القرويين، كما تشكل فضاء تاريخيا للتعايش، تقاسمت فيه مختلف الطوائف الفضاء العام والأسواق والأنشطة الحرفية.
كما ذكر بافتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية مؤخرا بالمدينة العتيقة لفاس، معتبرا أن هذه المؤسسة تشكل شاهدا ملموسا على حضارة أسهمت في تشكيلها روافد متعددة للهوية الوطنية.
من جانبه، أكد منسق المؤتمر الأستاذ بجامعة فاس، محمد الأزرق، أن التعايش يمثل مسارا للتعلم يقوم على الاعتراف بالاختلاف، وعدم السماح للخوف بأن يوجه السرديات الإعلامية.
واستنادا إلى مقتضيات الدستور المغربي الذي يكرس هوية وطنية موحدة ومتعددة الروافد، ذكر بأن تاريخ المملكة تشكل من خلال مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، التي أغنتها روافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية.
وشدد على أن مسؤولية وسائل الإعلام تتمثل في جعل الإنسان في جوهر المعلومة والخبر، وتفادي اختزال الشأن الديني وتصنيف الأفراد وفق انتماءاتهم السياسية أو الهوياتية.
وباسم الجمعية الدولية للصحفيين المتخصصين في الشأن الديني، استعرضت المديرة التنفيذية للجمعية، بيغي فليتشر ستاك، نشأة هذه الشبكة المهنية، التي تأسست سنة 2012 بمبادرة من 22 مراسلا متخصصا.
وأوضحت أن الجمعية تعمل على بلورة مبادئ أخلاقية ومهنية تتيح تناول المعتقدات بدقة وتبصر، بعيدا عن أي خطاب عدائي أو تبشيري. كما أبرزت أوجه التقاطع بين رسالتي التعليم والصحافة، بالنظر إلى إسهام المجالين في تشكيل فهم الجمهور للعالم.
من جهته، سلط خالد الساقي، المدير السابق لمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية والمتخصص في الإعلام، الضوء على الضوابط المهنية والأخلاقية التي تميز العمل الصحفي عن مجرد ترويج الشائعات، مذكرا بأن تكرار ادعاء على شبكات التواصل الاجتماعي لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على صحته ولا يغني عن التحقق من الوقائع.
وفي هذا السياق، استعرض الدلالات الأخلاقية لعدد من الآيات القرآنية التي تحث على التثبت من الأخبار، تفاديا للإضرار بالآخرين وما قد يترتب عن ذلك من ندم. كما استند إلى السنة النبوية التي تحذر من نقل كل ما يسمعه المرء دون تمحيص، مؤكدا أن الصحفي ليس مجرد ناقل للمعلومات، بل مؤتمن على ثقة الجمهور.
ودعا، في هذا الصدد، المهنيين في قطاع الإعلام إلى التمييز بوضوح بين الوقائع التي يمكن التحقق منها، وتفسير تلك الوقائع، وأحكام القيمية الصادرة بشأنها، ولاسيما في ظل تنامي استخدام تطبيقات التراسل الفوري والذكاء الاصطناعي.
ويتضمن البرنامج العلمي لهذا اللقاء ست جلسات موضوعاتية تتناول، على الخصوص، أوجه الاختلاف بين التغطية الإعلامية للقضايا الدينية في الغرب والعالم العربي، وسلامة المراسلين الصحفيين، وسبل مراعاة الحساسيات الثقافية في العمل الإعلامي.
وستخصص أشغال اليوم الثاني للتحولات التكنولوجية التي يشهدها القطاع، من خلال بحث تأثير المنصات الرقمية في أشكال التعبير الديني لدى الأجيال الشابة.
كما سيتم تنظيم ثلاث ورشات تطبيقية تتناول إدماج الذكاء الاصطناعي في غرف التحرير، ومعالجة قضايا النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام، والتكوين والتأهيل.