آنا فينانسيو.. برتغالية عشقت الصحراء فأسرها دفء المغاربة

0

قادها حلم الصحراء إلى المغرب، فوجدت في دفء أهله ما غير وجهة حياتها. كانت صور رالي “باريس-دكار” قد غذت شغفها بالكثبان، وجاءت الرحلة لتربطها بالمملكة على نحو لم تتوقعه.

اليوم، تتحدث المحامية والمنتخبة المحلية السابقة، آنا فينانسيو، عن المغرب باعتباره جزءا من مستقبلها. فبعد زيارات متكررة إلى المملكة، باتت تنظم رحلات لنساء أخريات لاكتشافها، وتتطلع إلى الإقامة فيها.

وفي حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، تستعيد آنا تفاصيل رحلتها الأولى التي خاضتها بمفردها. وتقول إن المغرب، على قربه من البرتغال، ظل بعيدا بعض الشيء في تصور كثير من مواطنيها، قبل أن يسهم تيسر السفر إليه في تغيير هذه الصورة: “بدأنا ندرك أنه يقع بجوارنا تماما”.

وكانت مرزوكة، منذ البداية، محطة أساسية في الرحلة التي خططت لها؛ فزيارة مراكش وحدها لم تكن لتشبع شغفها بالصحراء. وبعد زلزال الحوز في 2023، تمسكت بموعد سفرها، إذ شعرت، كما تروي، بأن عليها أن تذهب. ومع تعرفها على البلد، بدأت التجربة المباشرة تبدد ما حملته معها من مخاوف، فشعرت بالارتياح وانصرفت إلى اكتشاف تفاصيل الحياة من حولها.

“المناظر الطبيعية بديعة بلا شك، لكن السحر الحقيقي كان في الناس”، تقول آنا. ولهذا السحر في ذاكرتها ملامح بسيطة: ابتسامة عفوية، ودعابة تؤنس اللقاء، ومساعدة تقدم دون انتظار مقابل. وفي الأرياف وجبال الأطلس، لمست في تضامن الناس ما تقول إنها افتقدته كثيرا في الحياة الأوروبية؛ ألفة وجدت فيها ما يقربها من البلد وأهله.

هذه التفاصيل الصغيرة جعلت العودة إلى المغرب رغبة تلح عليها بعد انتهاء العطلة، وامتد أثر التجربة إلى حياتها الروحية. فهي تقول إنها “اعتنقت الإسلام” متأثرة بما عاشته من تقارب إنساني وروحي، وتصف التحول الذي عرفته حياتها بـ “الولادة الجديدة”.

وفي دجنبر من العام نفسه، عادت إلى المملكة لزيارة معالم لم تتمكن من اكتشافها خلال الرحلة الأولى. وكان الشوق يدفعها، هذه المرة، إلى البحث عن صلة تستمر بين زيارة وأخرى. فأطلقت، بمعية ابنها، متجرا إلكترونيا للزرابي المغربية، ليتحول اهتمامها بالبلد إلى مشروع عملي، قبل أن تتبلور فكرة تنظيم الرحلات.

وفي موازاة ذلك، كانت آنا تواصل عملها السياسي المحلي في أمادورا، بمنطقة لشبونة، حيث امتدت تجربتها لأكثر من عقد. فقد تولت رئاسة مجلس إحدى الجماعات المحلية ثماني سنوات، ثم شغلت عضوية المجلس البلدي. وحين أخذ مشروع العيش في المغرب يتضح في ذهنها، تصورت أن تكون الولاية الممتدة من 2025 إلى 2029 ولايتها الأخيرة، وأن تنتقل بعدها إلى المملكة.

غير أن نتائج انتخابات 2025 عجلت بتغيير مسارها؛ إذ لم تنتخب مجددا لعضوية المجلس البلدي. ورأت في ذلك إشارة إلى أن أوان مشروعها قد حان، فوجهت طاقتها إلى تنظيم الرحلات، مستجيبة، في الوقت نفسه، لأسئلة نساء يتابعن تجاربها ويستفسرن عن الإقامة والتنقل وإمكانية زيارة المغرب.

ومن هذه الأسئلة نشأ مشروع “إنر سول”، الذي أرادت من خلاله أن تجمع نساء يشاطرنها شغف السفر، وتنقصهن الرفقة لاكتشاف المملكة. وهي تعرف، من تجربتها الخاصة، ما قد يحتاجه قرار السفر الأول من تشجيع، وما تمنحه الرحلة لصاحبتها من ثقة في قدرتها على خوض تجارب جديدة.

وقد انعكس تعلقها بالحياة اليومية للمغاربة على تصورها لهذه الرحلات. فهي تحرص على تخصيص وقت لاستكشاف المكان والتعرف على أهله، وعلى أن تكون الإقامة فرصة للتفاعل مع السكان. وتفضل أن تعود المسافرة وقد عاشت شيئا من ثقافة البلد، بعيدا عن برامج يستنزف فيها التنقل بين المدن معظم الوقت، ولا يبقى للقاءات إلا نصيب ضئيل.

ولهذا، تدرج ضمن التجارب التي تعدها ورشات مع حرفيين محليين، منها لقاءات مع صناع “البلغة” المغربية في حي سيدي غانم بمراكش، تتيح للمشاركات التعرف عن قرب على العمل اليدوي وأهله.

كما تحرص على تعريف الزائرات بتنوع بلد يتسع لشواطئ المتوسط والأطلسي، والبحيرات والأنهار والمرتفعات، ولمظاهر الحياة المعاصرة التي تكتشفها في المطاعم والخدمات. وترى أن تكرار الزيارات يتيح معرفة أوسع بهذا التنوع، ويساعد على تجاوز صورة تختزل المغرب في مراكش والج مال والصحراء.

وفي هذه المعرفة التي تنمو باللقاء، تجد آنا سبيلا لتقريب المغاربة والبرتغاليين، مستحضرة الصلات التاريخية والثقافية بين البلدين، وما تلمسه من قواسم مشتركة في اللغة والعمارة. فالسفر، في رأيها، يكشف للناس هذه الروابط في تفاصيل يختبرونها عن قرب.

وتتطلع آنا فينانسيو اليوم إلى أن تستقر بالمغرب. فالصورة التي أغرتها بالسفر إليه اتسعت مع كل عودة، وصار فيها، إلى جانب الصحراء، أناس تعرفهم، وألفة تشدها إلى البقاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.