باريس تنتفض من جديد … غضب المعيشة و أزمة التعليم يضعان فرنسا أمام أختبار سياسي وأحتماعي

0

بقلم: يونس الكعبي
17 تشرين الأول 2026

أضع بين يديكم قراءة تحليلة موسعة حول أسباب الأحتجاجات الفرنسية وتداعياتها من خلال متابعة المواقع والصحف التي غطت هذه الأحتجاجات مثل وكالة رويتر للانباء وصحيفة الغارديان وصحيفة الليموند ومواقع أخرى.
لم تعد الأحتجاجات التي شهدتها باريس ومدن فرنسية أخرى يوم السبت 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 مجرد تظاهرات مطلبية عابرة ، بل تحولت إلى مؤشر واضح على أتساع فجوة الثقة بين قطاعات من المجتمع الفرنسي والسلطة السياسية ، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاََ أقتصادية وأجتماعية متزايدة ، وأستقطاباََ سياسياََ يسبق الأنتخابات الرئاسية القادمة.
وجاءت هذه الأحتجاجات نتيجة لعدة عوامل ، في مقدمتها أرتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود ، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي ، والقلق بشأن مستقبل الخدمات ، إلى جانب أحتجاجات طلاب المدارس على نقص المدرسين وتردي البنية التحتية للتعليم. وقد أتسعت رقعة التحركات لتشمل نقابات العمال وقطاعات أجتماعية أخرى في مشهد أعاد إلى الأذهان الأحتجاجات السابقة التي قام بها أفراد حركة السترات الصفراء التي هزت فرنسا عامي 2018 و 2019.
بدأت موجة الأحتجاجات الأخيرة من المدارس في ضواحي باريس ، وخصوصاََ في المناطق الفقيرة ، حيث عبر الطلاب عن استيائهم من نقص الكوادر التدريسية ، وأكتظاظ الصفوف ، وسوء بعض الأبنية المدرسية ، فضلاََ عن مخاوفهم من محدودية فرص التعليم المتكافيء والألتحاق بالجامعات.
لكن أتساع الحركة كشف أن المشكلة تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية ؛ فمطالب الطلاب وجدت صدى لدى شرائح من العمال والمتقاعدين والأسر التي تجد صعوبة متزايدة في تلبية أحتياجاتها اليومية.
ومع أنضمام النقابات العمالية وأنصار حركة السترات الصفراء إلى التحركات ، أنتقلت الأحتجاجات من المطالب التعليمية إلى مواجهة أوسع مع السياسات الأقتصادية والأجتماعية للحكومة. وقد شهدت مدن عدة ، بينها باريس ومرسيليا وليون ، مواجهات وأعمال تخريب وحرائق وأعتقالات ، وفق التقارير الصحفية المنشورة. وهنا تكمن خطورة المشهد ، عندما تتلاقى مطالب الطلبة والشباب مع غضب العمال والمتقاعدين ، يصبح الأحتجاج تعبيراََ عن أزمة مجتمعية عميقة وواسعة توضح مقدار الفجوة بين الشعب والسلطة ، وهنا تفشل اية أجراءات أمنية أو حلول جزئية عن أحتواء هذه التظاهرات.
يأتي أرتفاع تكاليف المعيشة في مقدمة أسباب هذه الأحتجاجات ، فأرتفاع أسعار الوقود والطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية يضغط على ميزانيات الأسر ، ويجعل أصحاب الدخل المحدود أكثر شعوراََ بالفجوة التي باتت تكبر بينهم وبين الفئات الأكثر دخلاََ.
ولا تتعلق المشكلة بمستوى الأسعار وحده ، بل بمدى قدرة الأجور والرواتب على مواكبة هذه الزيادات ، والشعور بأن السياسات الأقتصادية لا توزع أعباء الأزمات بصورة عادلة.
كما أن الجدل بشأن الأنفاق العام ومستقبل الخدمات الأجتماعية يعمق المخاوف من تراجع نموذج الدولة الأجتماعية الذي أرتبط في الوعي الفرنسي بتوفير التعليم والرعاية والحماية الأجتماعية. ومن هذا المنطلق لا يمكن أختزال الأحتجاجات في المطالبة بزيادة الأجور أو خفض أسعار الوقود ؛ أنها تعكس سؤالاََ سياسياََ : من يتحمل كلفة الأزمات الأقتصادية ، ومن يستفيد من القرارات الحكومية؟

هل تعود فرنسا إلى مشهد السترات الصفراء؟
تحمل الأحتجاجات الحالية أوجه الشبه مع حركة السترات الصفراء التي أنطلقت عام 2018 ، حين تحولت الأعتراضات على الضرائب وأسعار الوقود إلى حركة شعبية واسعة ضد الشعور بالتهميش الأقتصادي والأجتماعي.
لكن المشهد الحالي يختلف في نقطة مهمة ؛ أذ تتقاطع فيه ثلاث مسارات ، غضب الطلاب بشأن التعليم ، وأستياء أجتماعي من تكاليف المعيشة ، واعتراضات نقابية على الأجور والخدمات العامة.
هذا التداخل قد يمنح الحركة قدرة أكبر على الأستمرار والأنتشار ، لكنه لا يعني بالضرورة أمتلاكها قيادة موحدة أو برنامج سياسي متفق عليه. فالحركات الأحتجاجية الواسعة غالباََ ما تجمع فئات تتفق على رفض الواقع القائم ، لكنها تختلف بشأن البدائل المطلوبة. وبالتالي فأن أستمرار الأحتجاجات سيعتمد على قدرة هذه الفئات على تحويل غضبها المشترك إلى مطالب محددة ، وعلى أستجابة الحكومة لها ، فضلاََ عن مدى نجاح القوى السياسية والنقابيّة في تنظيم هذه الأحتجاجات.
يبقى هناك الهاجس الأمني في تنامي هذه الأحتجاجات ومخاطر أتساع المواجهات ، حيث أضفت المواجهات بين بعض المتظاهرين والشرطة بعداََ أكثر خطورة على الأزمة. فقد تحدثت التقارير عن أستخدام الغاز المسيل للدموع ، وأندلاع حرائق وأعمال تخريب ، ووقوع أعتقالات واسعة النطاق.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف 272 شخصاََ على الأقل على مستوى البلاد خلال تحركات 17 تشرين الاول ، فيما أعلن الأتحاد العام للعمال عن مشاركة أعداد كبيرة من المحتجين ، من دون أن تقدم وزارة الداخلية تقديراََ موحداََ لحجم المشاركة في هذه الأحتجاجات. غير أن التعامل مع هذه الأحداث يتطلب التمييز بين الأحتجاج السلمي الذي يمثل حقاََ ديمقراطياََ ، وأعمال العنف التي تستهدف الأشخاص والممتلكات. فالأعتماد المفرط على المقاربة الأمنية قد يفاقم الشعور من قبل المحتجين بعدم الأستجابة لمطالبهم ، ومن جانب آخر فأن التساهل مع الأعتداءات والتخريب قد يقوض التأييد الشعبي للحركة ويمنح الحكومة مبرراََ لتشديد أجراءاتها الأمنية.
وتكمن المعضلة أمام السلطات في الحفاظ على النظام العام ، من دون تحويل الأزمة الأجتماعية إلى مواجهة مفتوحة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.

ماكرون والحكومة أمام أختبارات صعبة:
تأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة من الحياة السياسية الفرنسية ، مع أقتراب الأنتخابات الرئاسية لعام 2027 ، وفي ظل أنقسام سياسي واضح وتراجع الثقة في المؤسسات لدى قطاعات من الناخبين.
وقد وضع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الحكومة في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة ، متعهداََ بعدم الخضوع للعنف ، ومتهماََ مجموعات متطرفة ومخالفين للقانون بأستغلال الأحتجاجات. وفي المقابل تسعى قوى سياسية معارضة إلى توظيف الأحتجاجات لتأكيد أنتقاداتها للسياسات الحكومية. وقد برز جان لوك ميلانشون زعيم حزب فرنسا الأبية في دعم مطالب الشباب ، فيما دعت شخصيات من اليمين إلى تشديد الأجراءات ضد أعمال الشغب. ومن المرجح أن تتحول قضايا القدرة الشرائية والتعليم والعدالة الأجتماعية إلى محاور أساسية في المنافسة الأنتخابية القادمة.
لكن الخطر السياسي لا يقتصر على تراجع شعبية الحكومة ، بل يتمثل أيضاََ. في أحتمال زيادة الأستقطاب ، وصعود القوى التي تقدم نفسها بوصفها البديل الوحيد للنظام السياسي القائم ، سواء من اليسار الراديكالي أو اليمين المتطرف.

التداعيات الأقتصادية جراء حركة الأحتجاجات:
تؤدي أعمال الشغب وأغلاق بعض الطرق وتعطيل حركة النقل والتجارة إلى خسائر مادية مباشرة للشركات والمتاجر والممتلكات العامة والخاصة ، كما تفرض أعباء أضافية على الأجهزة الأمنية والخدمية. وعلى المدى الأوسع ، فأن أستمرار الأضطرابات قد يؤثر في ثقة المستهلكين والمستثمرين ، ويزيد من صعوبة تنفيذ السياسات المالية التي تسعى الحكومة من خلالها إلى ضبط الأنفاق وتقليل العجز.
وتواجه الحكومة هنا معادلة شديدة التعقيد ، الأستجابة للمطالب الأجتماعية تتطلب موارد مالية ، بينما قد تؤدي زيادة الأنفاق من دون تمويل مستدام إلى تعميق الضغوط المالية. وفي المقابل ، فأن التشدد في خفض الأنفاق الأجتماعي قد يوسع قاعدة الغاضبين على الحكومة ويزيد أحتمالات التصعيد. لذلك ، فأن الحل لا يكمن في تقديم وعود مالية غير قابلة للتنفيذ ، ولا في فرض أجراءات تقشفية تتجاهل أوضاع الفئات الضعيفة ، بل في بناء سياسات أكثر توازناََ تجمع بين الأستدامة المالية وتحسين الخدمات وتوزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة.

تكشف أحتجاجات باريس أن الأستقرار الأجتماعي لا يتحقق بمجرد أحتواء التظاهرات أو أعادة فتح الطرق ، بل بمعالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى النزول إلى الشوارع. فأرتفاع تكاليف المعيشة ، والقلق على مستقبل التعليم ، والشعور بتراجع الفرص ، كلها عوامل تتطلب أستجابة حكومية واضحة وقابلة للقياس ، لا مجرد وعود عامة.
وتقف الحكومة الفرنسية أمام خيارين أساسيين ، أما فتح مسار جاد للحوار والأصلاح ، يتضمن خطوات ملموسة لتحسين التعليم وحماية القدرة الشرائية ، وأما الأكتفاء بالمعالجات الأمنية ، بما قد يهديء الشارع مؤقتاََ من دون أنهاء أسباب الغضب. وفي الحالتين ، فأن التداعيات السياسية ستتجاوز الأيام الحالية ، لأن الأحتجاجات ستترك أثرها على النقاش الأنتخابي ، وعلى علاقة الشباب بالمؤسسات ، وعلى مستقبل التوازن بين الدولة الأجتماعية ومتطلبات الأقتصاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.