رهان الثقة والعدالة الاجتماعية: قراءة في معالم التصريح الحكومي للولاية التشريعية 2026–2031
قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، يوم أمس الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام أعضاء مجلسي البرلمان، التصريح الحكومي المبرمج للفترة الممتدة بين 2026 و2031، وذلك طبقاً لأحكام الفصل 88 من الدستور. ويشكل هذا البرنامج تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يستند إلى الثقة الملكية السامية والإرادة الشعبية المعبر عنها في محطة 23 شتنبر 2026، محددًا لنفسه غاية كبرى تتمثل في ترجمة الوعود إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين.
سياق وطني ودولي مفصلي
تأتي هذه الولاية الحكومية في محطة فاصلة من المسار الإصلاحي للمملكة الممتد على مدى 27 سنة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وهو مسار توج بتراكمات مؤسساتية وديمقراطية كرستها وثيقة 2011. وعلى الصعيد الدولي، تنعقد هذه الولاية وسط سياق متسم بالتقلبات الجيو-سياسية، والتحديات المناخية الضاغطة على الأمن المائي والغذائي، فضلاً عن التحولات العميقة التي يحدثها الانتقال الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وفي مواجهة هذه التحديات، يعتمد المغرب على رصيد استراتيجي يجمع بين قربه من الأسواق الأوروبية، وعمقه الإفريقي، وواجهته الأطلسية، واستقراره المؤسساتي، مما يؤهله لتعزيز مكانته كقوة اقتصادية صاعدة تجمع بين نمو اقتصادي خلاق للثروة وعدالة اجتماعية ومجالية منصفة.
ثوابت الأمة والمرجعيات المؤطرة
يستند البرنامج الحكومي في جوهره إلى ثوابت الدولة المغربية المتمثلة في الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، مع إيلاء قضية الصحراء المغربية مكانة الصدارة في ظل الزخم الدبلوماسي والمكاسب المتحققة بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797. كما يستمد البرنامج توجيهاته الكبرى من الخطب الملكية السامية، لاسيما خطاب العرش وافتتاح السنة التشريعية لسنة 2026، إلى جانب استحضار خلاصات النموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035.
سبع أولويات استراتيجية لتأطير العمل الحكومي
ينتظم البرنامج الحكومي في هيكل متكامل يضم سبع أولويات أساسية، تروم إحداث نقلة نوعية في سياسات القرب والسيادة الوطنية:
توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات: ترسيخ الممارسة الديمقراطية، تقريب العدالة من المواطنين وتعزيز الأمن القانوني، النهوض بحقوق المرأة ومأسسة المساواة ومحاربة العنف، وتنزيل الجهوية المتقدمة برفع التحويلات المالية للجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، إلى جانب تسريع ميثاق اللاتمركز الإداري.
محاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة: استكمال منظومة النزاهة بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وإصلاح منظمات الأسواق ومحاربة الاحتكار، مع تخصيص نسبة 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة.
صيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع: حماية الأسرة وتفعيل إصلاح مدونة الأسرة، إحداث صندوق خاص بقيمة مليارين لدعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وضع سياسة مندمجة لمغاربة العالم، وتوسيع الولوج الثقافي.
ضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية:
مواجهة غلاء المعيشة بضبط مسالك التموين والأسواق، وإقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم للمسكن الرئيسي.
تطوير ورش الحماية الاجتماعية برفع الدعم الاجتماعي تدريجياً إلى 1000 درهم بحلول نهاية الولاية، إصلاح أنظمة التقاعد مع رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً، وتمكين الأرملة من معاش كامل بنسبة 100%.
الارتقاء بالتعليم عبر بلوغ نسبة 80% من التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية في أفق 2031 وفق نموذج “مؤسسات الريادة”، وتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة”.
إطلاق برنامج للسكن القروي لدعم وبناء 100 ألف مسكن بمراكز الصاعد بمدعم مباشر قدره 40 ألف درهم.
إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق: إطلاق برنامج وطني ابتداءً من 2027 لتكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين العدد نفسه من أول تجربة مهنية، مع دعم المقاولات الصغرى وتوفير آليات الحركية المهنية.
تمين السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي: تسريع الطاقات المتجددة لبلوغ أزيد من 52% في أفق 2030، مواجهة الإجهاد المائي بتسريع تحلية مياه البحر لبلوغ 1,8 مليار متر مكعب بحلول 2031 وإعداد مخطط وطني للماء، تحقيق السيادة في البذور بنسبة 50%، ووضع آليات مندمجة للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المسؤول.
بناء اقتصاد قوي ومستدام: استهداف معدل نمو متوسط في حدود 5% سنوياً، ضبط عجز الميزانية في حدود 3% طيلة الولاية، ووضع المديونية في مسار تنازلي يقارب 62% من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2031، مع رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني.
أفق التعاون البرلماني والمؤسساتي
ختمت رئيسة الحكومة عرضها بالتأكيد على أن نجاح هذا البرنامج يظل رهيناً بالتعاون المثمر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبانخراط كافة القوى الوطنية الحية، مادامت الأمانة العظمى مرتبطة بخدمة الوطن والمواطنين تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.