الشركات الخاسرة في العراق … مصالح معطلة و موظفين بلا عمل

0

بقلم: يونس الكعبي

20 تشرين الاول 2026

بعد أكثر من 23 عاماََ على التغيير في العراق ، لا تزال الشركات الحكومية العراقية تواجه تحديات الأنتاج والخسائر وتراجع الكفاءة ، فيما تتصاعد التساؤلات بشأن كلفة رواتب العاملين فيها ، وحجم الدعم الذي تتلقاه من الموازنة العامة وقدرتها على أستعادة دورها في الأقتصاد الوطني.

لم تكن الشركات الحكومية في العراق مجرد مؤسسات أدارية ، بل شكلت لعقود جزءاََ أساسياََ من القاعدة الأقتصادية للبلاد ، وأسهمت في توفير المنتجات الصناعية والأنشائية والزراعية ، ووفرت فرص عمل لآلاف العراقيين ، وأمتلكت مصانع وخطوط أنتاج وخبرات فنية تراكمت عبر سنوات طويلة.

لكن حرب عام 2003 وما أعقبها من أعمال نهب وسلب وتخريب ، إلى جانب سنوات من الأهمال وتقادم المعدات وضعف التخطيط ، دفعت كل هذه العوامل عدداََ من الشركات إلى التوقف أو تراجع الأنتاج ، لتتحول بعض الشركات التي كان يفترض أن ترفد الأقتصاد الوطني إلى عبء مالي على الدولة.

وبعد أكثر من عقدين يبرز سؤال جوهري ، لماذا لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من أعادة بناء هذا القطاع وتحويل شركاته إلى مؤسسات منتجة ، رغم أستمرار الأنفاق عليها وأمتلاكها أصولاََ وخبرات بشرية يمكن أستثمارها.

شركات كثيرة وبيانات غير مكتملة.

تتوزع الشركات العامة العراقية على قطاعات متعددة ، تشمل الصناعة والمعادن ، والنفط ، والكهرباء ، والتجارة ، والزراعة ، والنقل ، والأتصالات ، والأسكان ، والسياحة ، فضلاََ عن الصناعات الغذائية والهندسية.

وتشير تقارير منشورة إلى أن عدد الشركات الحكومية يتجاوز 150 شركة وفق بعض نطاقات الحصر ، فيما تجاوز عدد العاملين في الشركات الحكومية نحو نصف مليون موظف وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

غير أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بعدد الشركات وحده ، بل بغياب دراسة حديثة ومتكاملة منشورة توضح وضع كل شركة ، وعدد العاملين فيها ، وحجم أنتاجها ، وأيراداتها ، وخسائرها ، والرواتب التي تدفعها ، ومقدار الدعم الذي تحصل عليه من الخزينة العامة.

وهذا النقص في البيانات يجعل من الصعب تحديد الكلفة الحقيقية لأستمرار الشركات المتعثرة ، أو معرفة الشركات التي يمكن أنقاذها ، وتلك التي تحتاج إلى شراكة أستثمارية أو أعادة هيكلة جذرية.

من الأنتاج إلى أستنزاف الموارد:

تتعدد أسباب تراجع الشركات الحكومية ، ولا يمكن أختزالها في سوء الأدارة وحده. فقد تعرضت منشآت صناعية للتدمير والنهب بعد عام 2003 ، وفقدت مصانع معدات وآلات ومواد أولية ، فيما عانت منشآت أخرى من تقادم التكنولوجيا وأرتفاع تكاليف الصيانة والطاقة ، فضلاََ عن ضعف التسويق وصعوبة منافسة المنتجات المستوردة.

كما أسهمت القيود الأدارية والمالية في أضعاف قدرة بعض الشركات على أتخاذ قرارات سريعة بشأن شراء المواد الأولية ، وتحديث خطوط الأنتاج ، وتطوير المنتجات ، وأبرام العقود التجارية.

وفي الوقت نفسه ، تواجه بعض الشركات أختلالاََ في العلاقة بين عدد الموظفين وحجم الأنتاج الفعلي ، إذ تستمر الرواتب في أيجاد التزامات مالية حتى في حالة توقف خطوط الأنتاج أو عملها بطاقة محدودة. لكن ذلك لا يعني أن جميع الشركات قد تكون قابلة للعودة إلى الأنتاج أذا توفرت الأدارة المناسبة والأستثمارات الضرورية والأسواق القادرة على أستيعاب منتجاتها.

تعطي البيانات الرقابية المنشورة مؤشرات على حجم المشكلة في بعض الشركات ، ومن الأمثلة شركة أور العامة التابعة إلى وزارة الصناعة ، التي بلغت خسائرها 215.7 مليار دينار وفق البيانات المنشورة. ويمثل هذا الرقم مؤشراََ يستدعي البحث في أسباب تراكم الخسائر ، ومدى أستغلال الأصول ، وحجم الطاقة الأنتاجية المتاحة ، وكلفة أعادة التأهيل ، والأسواق التي يمكن أن تستوعب منتجات الشركة.

ومع ذلك ، فأن الخسائر المتراكمة لا تعني بالضرورة أن الشركة سجلت خسارة بالمقدار نفسه في السنة الأخيرة ؛ إذ ينبغي التمييز بين نتائج السنة المالية الواحدة والخسائر المتراكمة عبر سنوات. كما أن الحكم على شركة بأنها رابحة أو خاسرة يتطلب الأطلاع على حساباتها المدققة ، وفصل الأيرادات التجارية عن الأعانات الحكومية والتحويلات المالية الأستثنائية.

رواتب الموظفين … الموضوع الأكثر حساسية:

يمثل موضوع الموظفين ورواتبهم أحد أبرز جوانب الأزمة ، لكنه أيضاََ من أكثر الملفات التي تحتاج إلى بيانات دقيقة. فعدد الموظفين وحده لا يكشف حجم المشكلة ، ما لم يربط بالأنتاج الفعلي ، وكلفة الأجور والمخصصات ، وعدد العاملين في المصانع المتوقفة ، ومدى الأستفادة من خبراتهم في مشاريع أنتاجية أخرى. ولا تتوفر في البيانات التي أمكن الحصول عليها أرقام موحدة حديثة تكفي لتحديد أجمالي رواتب موظفي الشركات الحكومية وحدها لعام 2026 ، أو توزيع هذه الرواتب على الوزارات والشركات بصورة دقيقة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر كشوفات تفصيلية تبين عدد الموظفين في كل شركة ، وأجمالي رواتبهم الشهرية والسنوية ، والأيرادات التي تحققها الشركة ، ومقدار ما تتحمله الخزينة العامة من نفقاتها. فالمشكلة ليست في وجود الموظف أو في راتبه بحد ذاته ، بل في أستمرار تعطيل الخبرات البشرية وحرمان الأقتصاد من الأنتاج الذي يفترض أن تقدمه هذه المؤسسات.

26 تريليون دينار … أين حصة الخزينة؟

في تطور رقابي لافت ، أُعلن في تموز 2026 عن وجود 26 تريليون دينار تمثل حصة خزينة الدولة من أرباح شركات عامة لسنوات سابقة لم تسدد ، وفق ما ورد في تقرير ديوان الرقابة المالية الأتحادي.

ويثير هذا الرقم تساؤلات مهمة بشأن طبيعة هذه الشركات المعنية ، والسنوات التي تعود اليها الأرباح ، وأسباب تأخر تسديد المستحقات ، وأمكانية تحصيلها فعلياََ.

ولا يعني الرقم أن الشركات الحكومية جميعها رابحة ، أو أن المبلغ يمثل أيراداََ سنوياََ ثابتاََ يمكن أدراجه تلقائياََ في الموازنة ، لكنه يسلط الضوء على ضرورة التدقيق في الحسابات المالية والعلاقة بين الشركات العامة والخزينة.

كما يطرح سؤالاََ بشأن كفاءة أدارة الأموال العامة ، كيف يمكن لبعض الشركات أن تعاني نقص التمويل وتراجع الأنتاج ، في الوقت الذي توجد فيه مستحقات كبيرة للدولة من أرباح شركات عامة؟

تتطلب الأجابة نشر بيانات توضح الشركات المدينة ، وحجم المستحقات لكل منها ، ومدى قابليتها للتحصيل ، وما أذا كانت هناك التزامات أو تسويات مالية تؤثر في المبالغ النهائية.

هل يمكن تحويل الشركات الخاسرة إلى رابحة؟

يرى الأتجاه الأقتصادي الداعي إلى أصلاح القطاع العام أن الحل لا يكمن في أستمرار تمويل الخسائر بلا شروط ، ولا في تصفية جميع الشركات ، بل في تصنيفها وفق جدواها الأقتصادية وقدرتها على العودة للسوق. وتبدأ المعالجة بحصر شامل للأصول والموظفين والديون والنتائج المالية ، ثم تقسيم الشركات إلى شركات رابحة يمكن توسيع نشاطها ، وشركات قابلة للأنقاذ ، وشركات تحتاج إلى شراكة مع القطاع الخاص ، وأخرى قد يتطلب وضعها الدمج أو التصفية المنظمة وفق القانون. ويمكن أعطاء الأولوية للمصانع التي تنتج الأسمنت والأسمدة والمنتجات المعدنية والهندسية ومواد التعبئة والتغليف والمنتجات الغذائية ، شريطة إثبات قدرتها على المنافسة بعد أحتساب كلفة الطاقة والمواد الأولية والنقل والتحديث. كما يمكن الأستفادة من القطاع الخاص في التمويل والتكنولوجيا والتسويق والأدارة ، عبر عقود شفافة تحدد مسؤوليات المستثمر وحقوق الدولة والتزامات التشغيل والتوضيف ، وتضمن عدم التفريط بالأصول العامة.

أما الشركات التي لا يمكن أنقاذها أقتصادياََ ، فينبغي أتخاذ قرارت بشأنها على أساس دراسات مستقلة ، مع حماية حقوق العاملين ومعالجة أوضاعهم بالتدريب وأعادة التوزيع والتقاعد الطوعي حيثما أمكن.

الأصلاح يبدأ بكشف الأرقام:

أن أعادة بناء الشركات الحكومية تتطلب أرادة سياسية وبرنامجاََ أقتصادياََ واضحاََ ، يبدأ من نشر بيانات كل شركة ، وينتقل إلى وضع أهداف أنتاجية قابلة للقياس ، وينتهي بمحاسبة الأدارات على النتائج.

ويفترض أن تتضمن هذه البيانات عدد العاملين ، والرواتب ، والمخصصات ، والأيرادات ، وصافي الأرباح والخسائر ، والدعم الحكومي ، والديون ، والأصول المتوقفة ، وكلفة أعادة التأهيل ، وحصة الخزينة من الأرباح. كما ينبغي أن يقدم كل قطاع خطة زمنية تبين الشركات التي يمكن أعادة تشغيلها خلال عام ، وتلك التي تحتاج إلى استثمارات أطول ، ومقدار التمويل المطلوب ، والعائد الأقتصادي المتوقع منه. فأستمرار الأنفاق من دون جدوى أقتصادية حقيقية يهدد بأبقاء الشركات في دائرة التعثر ، فيما يمكن أن يؤدي الأستثمار المدروس إلى توفير منتجات محلية ، وخلق فرص عمل ، وتقليل الأستيراد ، وزيادة الأيرادات غير النفطية.

بعد أكثر من 23 عاماََ على تغيير النظام ، لم يعد ملف الشركات الخاسرة مجرد قضية إدارية داخل الوزارات ، بل أصبح أختباراََ لقدرة الدولة العراقية على أستثمار أصولها وخبراتها وتنويع أقتصادها.

وبين مصانع متوقفة وشركات تعاني الخسائر وموظفين يمتلكون خبرات لا تجد دائماََ مجالاََ للأنتاج ، تبقى الحاجة ملحة إلى أجابات واضحة عن الأسئلة الأساسية:

* كم عدد الشركات العاملة والمتوقفة؟

* كم يبلغ عدد موظفيها؟

* كم تكلف رواتبهم الشهرية والسنوية؟

* ما حجم الأرباح والخسائر؟

* ما مقدار الدعم الحكومي المقدم لكل شركة؟

أن أنقاذ الشركات القابلة للنجاح ، وأصلاح الأدارة ، وأشراك القطاع الخاص بشروط عادلة ، ومحاسبة المسؤولين عن هدر المال العام ، يمكن أن يحول جزءاََ من هذه الشركات من عبء مالي إلى ماكنة أنتاجية. فالعراق لا يحتاج إلى تمويل شركاته إلى ما لا نهاية ، بل إلى سياسة أقتصادية تعيد تشغيل ما يمكن أنقاذه ، وتوقف الهدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.