بين الذكاء الاصطناعي والغباء الاجتماعي

0

لا يمكننا إنكار أن الذكاء الاصطناعي أصبح يلعب دورًا أساسيًا في حياتنا، وأنه سهّل علينا الكثير من الأمور، وفتح أمامنا أبوابًا واسعة للمعرفة والمعلومات. لكن، في المقابل، هل بدأنا نعتمد عليه إلى درجة جعلتنا نتخلى تدريجيًا عن بعض قدراتنا العقلية؟ وهل أصبحنا نبحث عن الإجابات الجاهزة أكثر مما نحاول الوصول إليها بأنفسنا؟

في الماضي، كان البحث عن معلومة يتطلب وقتًا وجهدًا، وكان الإنسان يقرأ، ويبحث، ويقارن بين المصادر، ويحلّل ما يصل إليه حتى تتشكل لديه فكرة واضحة. أما اليوم، فقد أصبح كل شيء متاحًا بضغطة زر. لا أرى المشكلة في سهولة الوصول إلى المعرفة، بل في أن هذه السهولة قد تجعلنا نتوقف عن ممارسة التفكير، وكأننا نسعى إلى امتلاك الإجابات دون أن نمرّ بالتجربة العقلية التي تقود إليها.

وهنا يبرز السؤال: هل أصبحنا أكثر ذكاءً بفضل التكنولوجيا، أم أننا أصبحنا أقل قدرة على استخدام ذكائنا دونها؟

ولا يتوقف الأمر عند الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي غيّرت علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. فرغم أننا أصبحنا أكثر اتصالًا بالعالم، فإن الشعور بالوحدة لم يختفِ، بل أصبح حاضرًا في حياة الكثيرين. نحيط أنفسنا بمئات الأشخاص عبر الشاشات، ونتابع تفاصيل حياتهم، ونشارك لحظاتهم، لكننا قد نشعر، في أعماقنا، بأننا أكثر وحدة من أي وقت مضى.

ربما لأننا منحنا وقتنا واهتمامنا لحياة الآخرين، حتى نسينا أن نصغي إلى حياتنا الخاصة. أصبحنا نراقب ما يحدث خارجنا أكثر مما نتأمل ما يحدث داخلنا. نحاول فهم مشاعر الآخرين، ونقارن أنفسنا بتجاربهم، ونتأثر بصورهم المثالية، بينما لا نمنح أرواحنا الوقت الكافي للتعبير عمّا يؤلمها.

لم نعد نترك لأنفسنا مساحة للصمت، ولا فرصة للإصغاء إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يحاول أن يخبرنا بما نحتاج إليه، وما يؤلمنا، وما ينبغي علينا مواجهته بدلًا من الهروب منه. وربما، وسط هذا الضجيج المستمر، أصبحنا نؤجل مواجهة أنفسنا، فنراكم مشاعرنا بدلًا من فهمها ومعالجتها.

تأملوا ما يحدث حولنا في الصباح والمساء: في الحافلات، وفي الشوارع، وفي المدارس، وحتى في لحظات الانتظار القصيرة، تنحني الرؤوس نحو الشاشات. أصبح الهاتف رفيقنا الدائم، وأصبح الفراغ، مهما كان قصيرًا، شيئًا نسارع إلى ملئه. قلّما نرى طفلًا يحمل كتابًا بدافع الفضول، أو رجلًا يتصفح صفحات كتاب في وسيلة نقل، أو شخصًا يختار أن يجلس مع أفكاره دون أن يبحث عن شيء يشتت انتباهه.

لا يعني هذا أن التكنولوجيا عدوّنا، أو أن الذكاء الاصطناعي سبب كل مشكلاتنا النفسية والاجتماعية، بل إن المشكلة تكمن في الطريقة التي نستخدم بها هذه الوسائل، وفي المساحة التي سمحنا لها باحتلالها من حياتنا.

فالتقدم الحقيقي ليس أن نمتلك أدوات أكثر ذكاءً فحسب، بل أن نحافظ على قدرتنا على التفكير، والشعور، والتأمل، والتواصل الإنساني الحقيقي.

فما قيمة أن نصل إلى المعلومة في ثوانٍ، إذا فقدنا القدرة على تحليلها؟ وما قيمة أن نكون على اتصال دائم بالعالم، إذا أصبحنا غرباء عن أنفسنا؟

ربما لم تعد مشكلتنا اليوم في نقص المعلومات، بل في نقص التأمل، ولا في غياب وسائل التواصل، بل في غياب التواصل الحقيقي. وربما أصبحنا، في عصر الذكاء الاصطناعي، بحاجة إلى أن نتعلم من جديد كيف نفكر بأنفسنا، وكيف نصغي إلى الآخرين، والأهم من ذلك، كيف نصغي إلى أنفسنا.

هاجر عرشي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.