المجلس الاقتصادي والاجتماعي: فشل سياسات التقاعد في المغرب

0

 

كشف تقرير رسمي وُصف بـ“الجرس المنذر”، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن اختلالات عميقة في السياسات العمومية الخاصة بكبار السن في المغرب، معتبرًا أن هذه الفئة ما تزال تُعامل بمنطق تقليدي يختزلها في صورة كتلة متجانسة وضعيفة لا تحتاج سوى إلى الحماية الاجتماعية. التقرير، الصادر حديثًا تحت عنوان: “الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لكبار السن في المغرب”، جاء ليُسلّط الضوء على مرحلة ديموغرافية حاسمة تعيشها البلاد، تتسم بتسارع الشيخوخة السكانية على غرار ما شهدته دول صناعية كبرى مثل اليابان وإسبانيا.
بحسب معطيات المجلس، ارتفعت نسبة المغاربة الذين تفوق أعمارهم 60 عامًا من 9.4% سنة 2014 إلى 13.8% سنة 2024، أي ما يعادل أكثر من خمسة ملايين مواطن. هذا التحول السريع يضع المغرب أمام تحديات غير مسبوقة، حيث تتطلب هذه الشريحة سياسات أكثر مرونة وشمولية بدل الاقتصار على الدعم الاجتماعي التقليدي.
وأوضح عبد القادر عمارة، رئيس المجلس، أن هذه الفئة بعيدة عن أن تكون متجانسة: فمنهم من يتمتع بالاستقرار المادي ويواصل المساهمة في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، في حين يواجه آخرون العوز والمرض والإعاقة والعزلة. وهو ما يجعل السياسات الحالية غير قادرة على استيعاب الفوارق الكبيرة داخل هذه الفئة العمرية.
و أحد أبرز ما كشفه التقرير هو الهشاشة الاقتصادية التي تطبع حياة غالبية كبار السن. فـ52.4% منهم لا يتوفرون على دخل قار، وحتى بين من لديهم مصدر مالي لا يتعدى عدد المستفيدين من معاش تقاعدي 49.2%. هذه المعطيات تكشف محدودية النظام التقاعدي وضعف قدرته على تغطية حاجيات المتقاعدين، وهو ما يضع تساؤلات جدية حول فعالية المنظومة برمتها و لم يقتصر التقرير على الجانب الاقتصادي، بل تطرق أيضًا إلى البُعد الاجتماعي، مبرزًا أن نسبة الأمية في صفوف من تجاوزوا سن الستين تبلغ 71.6%. هذه الأرقام تكشف استمرار فجوة معرفية وثقافية تحدّ من إمكانيات انخراط كبار السن في الحياة المجتمعية.
إلى جانب ذلك، تبرز تحديات أخرى مثل العزلة الاجتماعية، العنف، وصعوبة الولوج إلى الأنشطة الثقافية والرياضية، مما يجعل الكثيرين يعيشون على هامش المجتمع.
على المستوى المؤسساتي، يُشير التقرير إلى أن المغرب لا يتوفر سوى على 72 مؤسسة مخصّصة لرعاية كبار السن، معظمها يعتمد على التبرعات. هذه المؤسسات تعاني نقصًا في الموارد البشرية المؤهلة، وضعفًا في الدعم الحكومي والحوكمة، ما يجعلها غير قادرة على تغطية الطلب المتزايد.
ورغم أن المغرب أطلق الخطة الوطنية للشيخوخة النشطة (2023-2030) بأهداف طموحة، فإن التقرير سجل أن التنفيذ يصطدم بعوائق هيكلية، أبرزها ضعف الإدماج الاقتصادي لهذه الفئة و غياب بنية تحتية ملائمة لحاجياتهم و قصور في الدعم المؤسسي والتمويل.
في ختام تقريره، دعا المجلس إلى إعادة النظر جذريًا في السياسات العمومية الموجهة لكبار السن، عبر مقاربة تراعي تنوع أوضاعهم وتُمكّنهم من لعب أدوار فاعلة في المجتمع، بدل اختزالهم في خانة “المستفيدين من المساعدات”.
وأكد أن نجاح المغرب في تدبير هذا التحول الديموغرافي السريع سيكون محددًا رئيسيًا لقدرة الدولة على ضمان الرفاه الاجتماعي والاقتصادي والصحي ليس فقط للأجيال الحالية من كبار السن، بل أيضًا للأجيال المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.