النقابات تنتقد فشل السياسات الاجتماعية الحكومية

0

خرجت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لتجدد دعمها للمطالب الاجتماعية العادلة والمشروعة التي يرفعها الشباب المغربي. فقد أكد المكتب التنفيذي للكونفدرالية، عقب اجتماعه الأخير، أن الوضع الاجتماعي المتأزم لم يعد يحتمل المزيد من التجاهل أو التماطل، داعياً الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها في معالجة الاختلالات العميقة التي تطبع المنظومة الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار البلاغ الصادر عن المكتب التنفيذي إلى أن استمرار تدهور القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصحة العمومية والتعليم العمومي والتشغيل، يعكس فشل السياسات الاجتماعية المعتمدة منذ سنوات. كما شددت المركزية النقابية على أن الشباب الذي يخرج اليوم إلى الشارع للاحتجاج إنما يعبّر عن معاناة واقعية وحقيقية، نتيجة ضعف فرص الشغل، وتراجع جودة الخدمات، واتساع الفوارق الاجتماعية.
وترى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن تردي الأوضاع الراهنة هو ثمرة مباشرة لغياب رؤية استراتيجية شاملة لدى الحكومة في تدبير الملفات الاجتماعية. فبدلاً من اعتماد سياسات مندمجة ومستدامة، ظلت التدابير الحكومية محكومة بالمقاربات الترقيعية والقرارات الظرفية، ما عمّق الأزمة وفوّت على البلاد فرصاً ثمينة للإصلاح الحقيقي.
وفي هذا السياق، دعت الكونفدرالية إلى ضرورة فتح حوار وطني واسع وحقيقي، يشمل كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والنقابيين، وذلك بهدف بلورة تعاقدات مجتمعية ملزمة قادرة على الاستجابة لمطالب المواطنين. فالحوار، بحسب البلاغ، ليس مجرد آلية شكلية لامتصاص الغضب، بل هو المدخل الأساسي لتحقيق التوافق حول السياسات العمومية الكفيلة بتحقيق العدالة الاجتماعية.
كما نبّهت المركزية النقابية إلى أن التجاوب الفعلي مع المطالب الاجتماعية للشباب لا يمكن أن يتم إلا عبر تغيير جوهري في السياسات الحكومية، وتبني مقاربة تنموية جديدة تجعل من الإنسان محوراً للتنمية، وترتكز على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع.
إلى جانب ذلك، عبّرت الكونفدرالية عن قلقها من محاولات بعض الجهات تصوير الاحتجاجات الشبابية على أنها تهديد للأمن العام، مؤكدة أن الطابع السلمي لهذه التحركات هو مكسب يجب الحفاظ عليه وحمايته، وأن واجب الدولة هو الاستماع إلى أصوات الشباب بدل محاصرتها أو تشويهها.
لم تكتف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بانتقاد فشل السياسات الاجتماعية، بل حرصت على إبراز جوهر المطالب التي ينادي بها الشباب المغربي اليوم. فحسب البلاغ، تتمثل هذه المطالب بالأساس في تحسين خدمات الصحة العمومية، وضمان جودة التعليم العمومي، وتوفير فرص الشغل الكفيلة بتمكين الشباب من الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفيما يخص قطاع الصحة، ترى الكونفدرالية أن الوضع بلغ مستويات خطيرة، حيث تعاني المستشفيات من خصاص مهول في الأطر الطبية وشبه الطبية، وضعف البنيات التحتية، ونقص التجهيزات الأساسية، ما ينعكس سلباً على حق المواطنين في الرعاية الصحية. ولعل جائحة “كوفيد-19” كانت قد كشفت بشكل جلي عن هشاشة المنظومة الصحية، وهو ما يستوجب إصلاحاً عميقاً وشاملاً يضع الصحة في صدارة الأولويات الوطنية.
أما في قطاع التعليم، فقد شددت النقابة على أن المدرسة العمومية تعاني بدورها من أزمة مزمنة، تتجلى في ضعف جودة التعلمات، واكتظاظ الأقسام، وتراجع جاذبية مهنة التدريس بسبب ظروف العمل المرهقة وغياب تحفيزات كافية للأطر التربوية. وترى الكونفدرالية أن أي إصلاح حقيقي للتعليم لا يمكن أن يتم إلا عبر ضمان مجانية التعليم العمومي بجودة عالية، وتوفير الوسائل الضرورية للمدرسين والطلبة على حد سواء، باعتبار أن التعليم هو قاطرة التنمية ومفتاح تحقيق العدالة الاجتماعية.
وفيما يتعلق بالتشغيل، يعتبر توفير فرص عمل للشباب تحدياً مركزياً أمام الحكومة. فمعدلات البطالة المرتفعة في صفوف الشباب خريجي الجامعات والمعاهد العليا تشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار الاجتماعي. وترى النقابة أن الحل يكمن في اعتماد سياسة اقتصادية جديدة ترتكز على تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الابتكار والمبادرة الذاتية، مع ضمان الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاعات غير المهيكلة.
كما طالبت الكونفدرالية بإبرام تعاقدات اجتماعية ملزمة بين الدولة والمجتمع، يكون هدفها الأساس تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية للمواطنات والمواطنين، وصون المكتسبات الاجتماعية، وضمان ولوج الجميع إلى خدمات عمومية ذات جودة. واعتبرت أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تلازمت التنمية الاقتصادية مع التوزيع العادل للثروات، وتمت محاربة كل أشكال الريع والفساد.
وبالمحصلة، فإن رسالة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل جاءت واضحة: الشباب المغربي الذي يخرج إلى الشارع ليس خصماً للدولة، بل هو قوة اقتراحية وضغط اجتماعي من أجل مغرب أكثر عدلاً ومساواة. ومن ثم فإن الاستجابة لمطالبه بشكل عاجل وجاد هو السبيل الأمثل لتجنب الاحتقان وضمان الاستقرار والسير نحو مستقبل أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.