المحاكم تصدر 450 حكما بقانون العقوبات البديلة

0

 

 

 

شكلت العقوبات البديلة إحدى أبرز الإصلاحات القانونية التي تعكس تحولا جوهرياً في فلسفة السياسة الجنائية. فبدل الاقتصار على العقوبات السجنية، بات القانون المغربي يفتح الباب أمام بدائل تهدف إلى إعادة الإدماج وتقويم السلوك، دون المساس بمبدأ الردع أو هيبة القضاء، فخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أوضح وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن عدد الأحكام القضائية الصادرة بالعقوبات البديلة بلغ 450 حكماً إلى غاية منتصف أكتوبر 2025، وهو رقم يعكس بداية فعلية لتطبيق هذا التوجه الجديد في المحاكم المغربية. وأكد الوزير أن تسع حالات من بين هذه الأحكام تم تحويلها إلى عقوبات سجنية، بعد أن رفض المعنيون تنفيذ العقوبة البديلة أو لم يقدموا أي مبرر قانوني للتخلف عن تنفيذها، مشدداً على أن العقوبات البديلة ليست خياراً يمكن تجاوزه، بل حكماً قضائياً ملزماً له نفس قوة التنفيذ كأي حكم جنائي آخر.

 

و يرتكز مفهوم العقوبة البديلة على مبدأ العدالة التصالحية، التي تسعى إلى معالجة الجريمة باعتبارها انتهاكاً للعلاقة بين الفرد والمجتمع، وليس فقط خرقاً للقانون. هذا التوجه يسعى إلى إصلاح الضرر وإعادة التوازن الاجتماعي، بدل الاقتصار على المعاقبة والعزل.

وتتمثل الأهداف الأساسية لهذه السياسة في تقليص الاكتظاظ في المؤسسات السجنية، وتخفيف الأعباء المالية والإدارية على الدولة، إضافة إلى منح فرصة للمحكوم عليهم لإعادة الاندماج في المجتمع من دون المرور عبر تجربة السجن التي كثيراً ما تُضعف فرص الإصلاح

 

و جاءت العقوبات البديلة في إطار القانون رقم 43.22 المتعلق بإدخال تعديلات على القانون الجنائي المغربي، الذي أقر لأول مرة إمكانية استبدال العقوبة السجنية القصيرة بعقوبات ذات طابع اجتماعي أو تأهيلي. ويتيح هذا القانون للقاضي، في بعض الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين حبسا، أن يختار عقوبة بديلة وفق معايير محددة تتعلق بخطورة الفعل وظروف المتهم وسجله العدلي.

 

ومن أبرز أنواع العقوبات البديلة المنصوص عليها في القانون المغربي العمل من أجل المنفعة العامة: إذ يُلزم المحكوم عليه بأداء ساعات من العمل لفائدة المجتمع، في مؤسسات عمومية أو جمعيات غير ربحية، دون مقابل الغرامة اليومية: حيث يؤدي المحكوم عليه مبلغا ماليا محددا عن كل يوم من مدة العقوبة الأصلية، في حدود سقف معين يقرره القاضي المراقبة الإلكترونية: من خلال وضع سوار إلكتروني يسمح بتتبع تحركات الشخص، ويتيح له قضاء العقوبة خارج السجن في نطاق محدد، الخضوع لتدابير علاجية أو تأهيلية، خاصة في حالات الإدمان أو العنف الأسري، تهدف إلى معالجة السلوك بدلاً من معاقبته فقط.

 

و أكد وزير العدل أن تنفيذ العقوبة البديلة يخضع لنظام مراقبة دقيق من طرف قاضي تنفيذ العقوبات، الذي يتولى التأكد من التزام المحكوم عليه بالشروط المحددة. وفي حال الإخلال بتنفيذ الحكم دون مبرر مشروع، يتم تحويل العقوبة البديلة إلى العقوبة السجنية الأصلية، ضماناً لهيبة القانون ومنعاً من الإفلات من العقاب.

 

وأوضح وهبي أن الوزارة تتعامل بصرامة مع حالات التملص من تنفيذ هذه الأحكام، مبرزاً أنه “لا يوجد تصالح أو تساهل في التنفيذ، وأي شخص يواجه صعوبة يمكنه تقديم ملتمس رسمي لقاضي التنفيذ أو لرئيس المحكمة، لكن لا يمكن أن يمتنع عن التنفيذ من تلقاء نفسه”.

 

رغم الخطوة المتقدمة التي تمثلها العقوبات البديلة، فإن تطبيقها يواجه عدداً من التحديات القانونية واللوجستية. من بين هذه التحديات نقص البنية المؤسساتية لاستيعاب برامج العمل من أجل المنفعة العامة و ضعف التنسيق بين المحاكم والجماعات المحلية أو الجمعيات التي تستقبل المستفيدين من هذه العقوبات و نقص الوعي المجتمعي بأهمية العدالة التصالحية، إذ لا يزال جزء من الرأي العام يربط العقوبة حصراً بالسجن.

 

و تراهن وزارة العدل على توسيع نطاق التجربة تدريجياً، من خلال تكوين القضاة وتعزيز الشراكات مع المؤسسات العمومية والجمعيات المدنية، لتوفير بيئة تنفيذ آمنة وفعالة.

 

و وعتبر العقوبات البديلة وسيلة فعالة لإعادة الثقة بين المواطن والقضاء، إذ تُظهر أن العدالة يمكن أن تكون إنسانية ومنصفة دون أن تفقد قوتها الردعية. فبدل أن يتحول السجن إلى مدرسة للجريمة أو عائق أمام الاندماج، تمنح العقوبة البديلة فرصة للمحكوم عليه لإثبات التوبة والمساهمة في خدمة المجتمع.

 

ويرى العديد من المختصين أن هذا التوجه يشكل تحولاً حضارياً في العدالة المغربية، إذ يزاوج بين الصرامة في تطبيق القانون والرحمة في إصلاح الإنسان، بما ينسجم مع روح الدستور الذي يجعل من الكرامة الإنسانية محوراً أساسياً للسياسات العمومية، و ان نجاح تجربة العقوبات البديلة مرهون بمدى التزام الدولة بتوفير آليات تنفيذ فعالة، وانخراط المجتمع في احتضان هذه الفئة من المحكومين. فكلما توسع نطاق البدائل، قلّت العودة إلى السجون، وتعززت الثقة في القضاء كجهاز يسعى إلى الإصلاح لا الانتقام.

 

و يواصل المغرب مسار إصلاح منظومته العدلية نحو عدالة تصالحية عصرية، توازن بين حماية المجتمع وإعادة إدماج الأفراد، في أفق ترسيخ نموذج قضائي يليق بمغرب جديد يؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.