تقرير يرصد تراجع جاذبية الصحافة وضعف الدعم للمقاولات الصغرى
نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى الاختلالات التي يستبطنها مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرا أن النص في حاجة إلى مزيد من التشاور من أجل تحقيق توافق أوسع، في ظل الرفض الكبير الذي يواجهه.
وأكد المجلس في كلمة لرئيسه عبد القادر اعمارة، ألقاها بالنيابة عنه محمد بنقدور خلال يوم دراسي احتضنه مجلس المستشارين، أن مواصلة النقاش والتشاور مع الأطراف المعنية، من شأنه أن يفضي إلى توافق أوسع حول مشروع يمكن المجلس الوطني للصحافة من المصداقية اللازمة ووسائل العمل والتدبير الضرورية للاضطلاع بمهامه الأساسية في التنظيم الذاتي والوساطة، بشكل فعّال وناجع ودامج.
وعبرت المؤسسة الدستورية عن اختلافها مع طريقة اشتغال الحكومة في الموضوع، معتبرة أنه لضمان الاستمرارية المؤسساتية وضرورة الإصلاح في الآن ذاته، فقد كان من الأنجع في مرحلة أولى إجراء تعديلات تهم كيفيات تنظيم انتخابات أعضاء المجلس، مع العمل على إطلاق مسلسل تشاوري موسع من أجل بلورة إصلاح شامل ومتوافق عليه لمجموع النصوص القانونية المشكلة لمدونة الصحافة والنشر، ذلك أنها منظومة مترابطة تقتضي مراجعة تشريعية متزامنة، من أجل أن تواكب التطورات المعيارية في مجالات حرية التفكير والتعبير والرأي، والاستجابة لتحديات الصحافة.
ولاحظ المجلس أن مشروع القانون الموجود اليوم لدى مجلس المستشارين، لم يواكب بالقدر الكافي التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تشهدها مقاولات الصحافة المكتوبة، والتي زادت من حدة هشاشتها تداعيات الأزمة الصحية، ومنافسة المنصات الرقمية، والانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي.
ومن جملة اختلالات المشروع التي توقفت عليها كلمة اعمارة؛ مدى تمثيلية المجتمع المدني أو الجمهور من تركيبة المجل، وال تباين في طريقة اختيار الأعضاء، من خلال النص على آلية الانتخاب بالنسبة لممثلي الصحافيين والانتداب بالنسبة لممثلي الناشرين، إلى جانب عدم التوازن العددي بين ممثلي الناشرين والصحفيين، وتركيز هندسة مشروع القانون على المادة التأديبية، دون تحديد دقيق للخطأ المهني وللمفاهيم ودون إيلاء اهتمام متوازن ومتناسب للمقتضيات المتعلقة بمهام الوساطة بين المهنيين لما تكتسيه من أهمية.
وذكّر المجلس بتوصياته في الموضوع والتي سبق أن بسطها في رأيه، خاصة تعزيز حضور الجمهور في تركيبة المجلس، وتنويع التمثيليات، وإضافة فئة “الحكماء”.
كما أوصى باعتماد نمط الانتخاب باللائحة وبالتمثيل النسبي من أجل ضمان تمثيلية للصحافيين تعكس ما يطبع الجسم الصحفي من تعددية وتنوع. واعتماد نفس النمط بالنسبة لممثلي الناشرين، مع وضع معايير ترشيح موضوعية وملزمة بما يراعي التعددية ويضمن تمثيلية الناشرين الصغار.
وشدد على ضرورة إقرار التمثيلية النسائية والسعي إلى المناصفة وتعزير آليات الوساطة والتحكيم، مع العمل على التعريف الدقيق للخطأ المهني، والإسراع في إعداد أو تحيين ميثاق أخلاقيات المهنة، والنظر في إمكانية توسيع الاختصاصات لتشمل إنجاز دراسات، والعمل على تحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين، والانفتاح على صناع المحتوى
و كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه حول مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، أن المقاولات الصحفية الوطنية أصبحت تعرف تبعية متصاعدة للدعم العمومي، في ظل تراجع المبيعات والمداخيل الإشهارية، مما جعل النموذج الاقتصادي للصحافة في وضع هشّ.
وأوضح المجلس أن الدعم العمومي كان يمثل حوالي 10 في المائة فقط من رقم معاملات المقاولات الصحفية إلى حدود بداية سنة 2020، قبل جائحة كوفيد-19، غير أنه تضاعف خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من 164 مليون درهم سنة 2020 إلى 325 مليون درهم سنة 2024، مخصَّصًا أساسًا لتحمل كتلة الأجور. وبذلك أصبحت حصة الدعم العمومي تمثل أكثر من نصف رقم معاملات القطاع، وهو ما اعتبره المجلس مؤشراً على هشاشة بنيوية مرشحة للتفاقم في المستقبل.
وسجّل المجلس أن المعايير المعتمدة في توزيع الدعم تميل إلى مكافأة المقاولات التي تشغّل عدداً كبيراً من المستخدمين، دون أن تعزز بالضرورة التعددية وتنمية القراءة كما ينص على ذلك النص التنظيمي. وأضاف أن نصيب المقاولات الصغيرة أو المبتكرة، خصوصاً الناشئة منها، يبقى محدوداً جداً.
وفي هذا الإطار، دعا عدد من الفاعلين الذين تم الإنصات إليهم إلى نشر لوائح المقاولات المستفيدة ومقدار الدعم العمومي الذي تتحصل عليه كل واحدة منها، توخياً للشفافية وضماناً للولوج إلى المعلومة. كما نبّهوا إلى أن الأداء المباشر لأجور الصحافيين في إطار الدعم العمومي قد يمس”ال باستقلاليتهم المهنية.
ولفت المجلس إلى أن القطاع الحكومي المكلف بالتواصل يعمل حالياً على تغيير آلية الدعم الحالية عبر الانتقال إلى حكامة جديدة تقوم على دعم المقاولة الصحفية كمؤسسة اقتصادية بدل أداء رواتب أجرائها، وذلك بموجب اتفاقيات شراكة يتم إبرامها مع المؤسسات الصحفية وفق مقتضيات تنظيمية لم تُفعّل بعد.
وأوضح أن هذه الاتفاقيات ستحدد التزامات الطرفين، وتهدف إلى تعزيز الاستثمارات في الوسائل التقنية، وتطوير مهارات الصحافيين والعاملين داخل المقاولات، بغية إنتاج محتوى ذي جودة وتأهيل المقاولة الإعلامية.
وأشار رأي المجلس كذلك إلى ضعف جاذبية مهن الصحافة، إذ بلغ عدد الصحافيين المهنيين سنة 2024 حوالي 3993 صحافياً، من بينهم 366 مدير نشر. وتُظهر المعطيات أن غالبية الصحافيين يشتغلون في الصحافة الإلكترونية (1907)، يليها القطاع السمعي البصري (910)، ثم الصحافة الورقية والإلكترونية (777).
كما لاحظ المجلس أن الإقبال على مهنة الصحافة يتراجع بين الطلبة المسجلين في مؤسسات التعليم العالي المتخصصة، حيث يفضل العديد منهم التوجه نحو مسالك التواصل بدل الصحافة، بسبب ضعف الاستدامة الاقتصادية للمقاولات الإعلامية.
وأوضح أن ضعف الجاذبية يعود أيضاً إلى مستويات الأجور المنخفضة، إذ يبلغ متوسطها 9900 درهم شهرياً، بينما يتقاضى أكثر من نصف الصحافيين أقل من 7000 درهم، وهو ما يكرّس هشاشة الوضع الاجتماعي للصحافيين، ويهدد جودة الممارسة المهنية، بحسب المجلس.