المجلس الاقتصادي: أعطاب تنزيل الدولة الاجتماعية كثيرة
عاد ملف الحماية الاجتماعية، وخصوصا نظام التأمين الإجباري عن المرض، إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما جدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي انتقاداته للاختلالات البنيوية التي تعتري هذا الورش الاستراتيجي، محذرا من محدودية نجاعته على أرض الواقع، وداعيا إلى مراجعة شاملة تعيد توجيهه نحو تحقيق استفادة فعلية ومنصفة للمواطنين.
وخلال المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، المنعقد بمجلس المستشارين، كشف المجلس، عبر كلمة ألقاها عضوه عبد المقصود راشدي، أن المؤشرات الرسمية المرتفعة لتسجيل المواطنين في أنظمة التأمين الصحي لا تعكس حقيقة الوضع، موضحا أن نسبة التغطية التي تناهز 88 في المائة تخفي واقعا مقلقا، يتمثل في وجود حوالي 30 في المائة من المسجلين في وضعية “حقوق مغلقة”، ما يحرمهم عمليا من الاستفادة من الخدمات الصحية.
وأكد المجلس أن توسيع قاعدة المستفيدين، رغم أهميته، لم يواكبه إصلاح هيكلي يضمن الولوج العادل والفعال إلى العلاج، خاصة العلاجات المتخصصة، مشيرا إلى استمرار معضلة الأداء المسبق للمصاريف الصحية، وضعف نسب إرجاعها، وبطء مساطر التعويض، وهو ما يثقل كاهل الأسر، ويحد من الأثر الاجتماعي المفترض للتأمين الصحي.
وسجلت المؤسسة الدستورية وجود فوارق جهوية صارخة في عرض الخدمات الصحية، سواء من حيث البنيات التحتية أو الموارد البشرية أو جودة العلاجات، معتبرة أن هذه الاختلالات تتناقض مع أهداف العدالة الاجتماعية والمجالية التي يفترض أن يؤسس لها مشروع الدولة الاجتماعية. كما نبهت إلى ضعف التواصل مع المواطنين بشأن حقوقهم ومزايا التغطية الصحية، ما يفاقم الإقصاء ويغذي فقدان الثقة في المنظومة.
وأبرز المجلس أن إدماج فئة العمال غير الأجراء يشكل إحدى أعقد الإشكالات، بالنظر إلى الصعوبات المرتبطة بالتسجيل المنتظم وأداء الاشتراكات، وهو ما أفرز نسبا مرتفعة من المنخرطين في وضعية غير نشطة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول نجاعة السياسات الحكومية المعتمدة في هذا المجال.
ولم يخف المجلس قلقه من تعدد أنظمة التأمين الصحي وضعف حكامتها، معتبرا أن هذا التشتت يحد من الانسجام ويقوض مبادئ التضامن والإنصاف، كما يضعف القدرة على التدبير الرشيد والفعال للموارد. وحذر من أن استدامة تمويل التأمين الإجباري عن المرض باتت مهددة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف العلاج، واستمرار العمل بتعريفة وطنية مرجعية متجاوزة لم يتم تحيينها منذ سنوات.
وسلطت المؤسسة الضوء على هيمنة القطاع الخاص على جزء كبير من نفقات العلاج، مقابل ضعف العرض العمومي، ما يفاقم العبء المالي على المواطنين، ويكرس اختلالا بنيويا في منظومة يفترض أن تقوم على التكافؤ والجودة. واعتبر المجلس أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تعميم التسجيل، بل في الانتقال إلى تعميم الاستفادة الفعلية، من خلال منظومة موحدة، مندمجة، وقادرة على توفير الحماية الصحية والمالية للجميع باحترام كرامة المواطنين.
وفي السياق ذاته، دعا المجلس إلى تبسيط المساطر الإدارية وتسريع رقمنة الإجراءات، وتقليص آجال التعويض، ومراجعة نظام الاشتراكات ونسب إرجاع المصاريف بما يراعي القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب تحيين التعريفة الوطنية، وتعزيز البنيات الصحية خصوصا بالمناطق القروية والهامشية.
من جانبه، اعتبر عبد القادر اعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن هذه الاختلالات تعكس الحاجة الملحة إلى بلورة نموذج وطني متكامل للعدالة الاجتماعية، يجعل الإنصاف ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، ويحول الحماية الاجتماعية من مجرد آلية دعم إلى رافعة للتمكين وبناء الصمود.
وأكد اعمارة أن المغرب، رغم التقدم المسجل، لا يزال يواجه تحديات حقيقية في تنزيل الدولة الاجتماعية، مشددا على أن الحماية الاجتماعية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن تحسين جودة الخدمات الصحية، وتوفير الموارد البشرية، وتعزيز التعليم والتشغيل، وضمان التقائية السياسات العمومية. وخلص إلى أن فشل معالجة هذه الاختلالات يهدد بتحويل ورش الحماية الاجتماعية إلى مشروع محدود الأثر، بدل أن يكون دعامة مركزية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقوية التماسك المجتمعي.