67 ألفا و951 طلبا لدعم أكثر من 95 ألف مركبة

0

 

عادت الحكومة إلى تفعيل آلية الدعم الموجه لمهنيي النقل الطرقي، في سياق يتسم بتقلبات حادة في أسعار المحروقات على الصعيد الدولي، سواء في قطاع نقل البضائع أو الأشخاص، كخيار لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار. المعطيات التي كشف عنها الناطق الرسمي باسم الحكومة تشير إلى تلقي ما يقارب 67 ألفا و951 طلبا، تغطي أكثر من 95 ألف مركبة، وهو رقم يعكس حجم الإقبال على هذا البرنامج، لكنه في الآن ذاته يطرح تساؤلات حول طبيعة المقاربة الحكومية في معالجة إشكالية أسعار المحروقات.

الخطاب الرسمي يربط هذا الإجراء بضرورة الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل التوترات الإقليمية وصعوبة التنبؤ بمسار الأسواق الدولية للطاقة. غير أن القراءة التحليلية لهذا التوجه تكشف أن الحكومة اختارت مرة أخرى تجنب الخوض في خيار تسقيف أسعار المحروقات، مفضلة الالتفاف على هذا المطلب عبر دعم غير مباشر يوجه أساسا إلى قطاع النقل. هذا الاختيار ليس معزولا عن توازنات اقتصادية ومالية، بل يعكس توجها يروم الحفاظ على منطق السوق المفتوحة في قطاع المحروقات، مع تفادي أي تدخل مباشر قد يؤثر على أرباح الشركات الفاعلة في هذا المجال.

من خلال هذه الآلية، تتحمل الدولة جزءا من كلفة ارتفاع المحروقات، لكن بشكل غير مباشر، عبر تعويض مهنيي النقل بدل فرض سقف للأسعار في محطات التوزيع. وبهذا، يتم امتصاص جزء من الصدمة دون المساس بالبنية الربحية لشركات المحروقات، التي تستفيد من استمرار تحرير الأسعار. هذا النموذج يسمح للحكومة بتقديم صورة تدخلية لحماية المستهلك، دون الدخول في مواجهة مع الفاعلين الاقتصاديين الكبار في القطاع.

توازنات اقتصادية أم حماية لمصالح الشركات؟

اختيار دعم النقل بدل تسقيف أسعار المحروقات يثير نقاشا واسعا حول أولويات السياسات العمومية في هذا المجال. فمن جهة، يبدو هذا التوجه منسجما مع الحرص على استقرار أسعار المنتجات والخدمات، بالنظر إلى أن كلفة النقل تشكل عنصرا أساسيا في تحديد الأسعار النهائية. دعم مهنيي النقل يهدف، نظريا، إلى منع انتقال الزيادات في المحروقات إلى المستهلك النهائي، سواء عبر أسعار المواد الغذائية أو خدمات النقل العمومي.

غير أن هذا الطرح يظل نسبيا، إذ أن تأثير الدعم على الأسعار يبقى غير مباشر وصعب القياس بدقة. كما أن غياب آليات صارمة لمراقبة انعكاس هذا الدعم على الأسعار يفتح المجال أمام استمرار ارتفاعها، رغم تدخل الدولة. في المقابل، يظل المستفيد المباشر والواضح من هذا الوضع هو شركات توزيع المحروقات، التي تواصل العمل في إطار سوق محررة، دون قيود تحد من هوامش أرباحها.

هذا الواقع يعزز الانطباع بأن الحكومة تعتمد مقاربة مزدوجة: من جهة، تقديم دعم اجتماعي لتخفيف الضغط على بعض الفئات المهنية، ومن جهة أخرى، الحفاظ على جاذبية القطاع بالنسبة للاستثمارات الخاصة، عبر عدم التدخل في تحديد الأسعار. غير أن هذه المقاربة تطرح إشكالية العدالة، حيث يتم تمويل الدعم من المال العام، بينما تستمر الشركات في تحقيق أرباح في ظل نفس الظروف.

إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المتكرر على آلية الدعم يطرح تساؤلات حول استدامتها، خاصة في ظل الضغوط التي قد تعرفها المالية العمومية. فكلما استمرت الأسعار الدولية في الارتفاع، كلما ارتفعت كلفة هذا الدعم على ميزانية الدولة، ما قد يدفع مستقبلا إلى إعادة النظر في هذا الخيار أو تقليصه، وهو ما قد يعيد الأزمة إلى نقطة البداية.

في المحصلة، يبدو أن الحكومة اختارت حلا وسطا يوازن بين الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، لكنه يظل حلا ظرفيا أكثر منه إصلاحا هيكليا لقطاع المحروقات. وبينما يتم تقديم دعم النقل كآلية لحماية القدرة الشرائية، فإن غياب تدخل مباشر لضبط الأسعار يكرس واقعا يستفيد منه الفاعلون الكبار، في وقت يتحمل فيه المواطن، بشكل غير مباشر، جزءا من كلفة هذا التوازن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.