الساعة الإضافية تشعل صراعا سياسيا
عاد الجدل حول اعتماد التوقيت الجديد (GMT+1) في المغرب ليطفو مجدداً على السطح، لكن هذه المرة في سياق سياسي محتدم تتبادل فيه الأحزاب الاتهامات بشأن المسؤولية عن هذا القرار وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية. وبين انتقادات المعارضة ومواقف متذبذبة لبعض الأطراف التي سبق أن تبنّت القرار، يتحول موضوع الساعة الإضافية من نقاش تقني إلى ورقة سياسية تُستثمر في الصراع على كسب تعاطف الشارع.
في هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية عن فدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، انتقادات حادة لما وصفته بـ”الساعة المشؤومة”، معتبرة أنها ليست إصلاحاً كما تروج له الحكومة، بل قرار يعمّق الفوارق الاجتماعية ويضرب تكافؤ الفرص، خصوصاً في العالم القروي. وأكدت أن تداعيات هذا التوقيت تتجاوز مجرد تغيير في الساعة، لتطال حق الأطفال في التعليم، مشيرة إلى أن العديد من الأسر القروية أصبحت تضطر إلى توقيف أبنائها عن الدراسة بسبب ظروف التنقل القاسية في الظلام والبرد، في ظل ضعف وسائل النقل.
واعتبرت التامني أن الحديث عن آثار اقتصادية إيجابية للساعة الإضافية لا يجد له أي صدى في الواقع المعيشي للمواطنين، الذين يلمسون، بحسب تعبيرها، فقط التعب والفوضى وتزايد الهدر المدرسي. ووجّهت تساؤلات مباشرة للحكومة حول جدوى هذا الخيار، معتبرة أن أي إصلاح لا يراعي العدالة الاجتماعية هو إصلاح فاقد للشرعية.
في المقابل، دخل حزب العدالة والتنمية على خط الجدل، معلناً تبنّيه مطلب إلغاء الساعة الإضافية، ومؤكداً في بيان لأمانته العامة أن هذا التوقيت لم يحظَ بقبول شعبي رغم مرور سنوات على اعتماده. وأشار الحزب إلى أن العودة المؤقتة إلى توقيت غرينيتش خلال شهر رمضان تكشف بوضوح ارتياح المواطنين لهذا الخيار، ما يعزز، بحسبه، ضرورة مراجعة القرار بشكل نهائي.
غير أن هذا الموقف لم يمر دون إثارة الجدل، إذ يجد الحزب نفسه في موقع حرج، كونه الجهة التي أقرت تعميم الساعة الإضافية سنة 2018 خلال قيادته للحكومة برئاسة سعد الدين العثماني. ويستحضر منتقدو الحزب تصريحات سابقة للعثماني، دافع فيها عن القرار واعتبره آنذاك من “زيادات الخير”، في تناقض واضح مع الموقف الحالي للحزب.
هذا التناقض فتح الباب أمام خصومه السياسيين لاتهامه بمحاولة استثمار الملف سياسياً بعد انتقاله إلى صفوف المعارضة، بدل تحمّل مسؤوليته عن القرار عندما كان في موقع السلطة. ويرى مراقبون أن تحوّل مواقف الحزب يعكس دينامية الصراع السياسي أكثر مما يعكس مراجعة حقيقية للسياسات العمومية.
من جهة أخرى، تؤكد أطراف مدنية دخولها على خط المواجهة من خلال إعداد عريضة قانونية للمطالبة بإلغاء الساعة الإضافية، مستندة إلى ما تصفه برفض شعبي واسع لهذا الإجراء. ويعزز هذا التحرك الضغط على الحكومة الحالية، التي تجد نفسها أمام ملف شائك يجمع بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويُظهر هذا الجدل أن الساعة الإضافية لم تعد مجرد خيار تقني لتنظيم الزمن، بل أصبحت رمزاً لصراع أوسع حول أولويات السياسات العمومية ومدى استجابتها لانتظارات المواطنين. ففي الوقت الذي تدافع فيه الحكومات المتعاقبة عن هذا التوقيت بدعوى تحقيق مكاسب اقتصادية، يرى معارضوه أنه يفاقم معاناة فئات واسعة، خاصة في المناطق الهشة.
ومع استمرار هذا التوتر، يبدو أن ملف الساعة الإضافية سيظل حاضراً بقوة في النقاش العمومي، كأحد أبرز الأمثلة على تداخل الاجتماعي بالسياسي، وعلى كيفية تحوّل القرارات التقنية إلى قضايا خلافية تُعيد رسم ملامح الصراع الحزبي في المغرب.