استطلاع يرصد تفاوتات اجتماعية ومجالية تعمّق الأزمة الصحية
تُبرز نتائج استطلاع حديث تنامي التحديات التي يواجهها المواطنون المغاربة في الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث أقر أكثر من نصف المستجوبين بمعاناتهم من صعوبات فعلية في الاستفادة من العلاج. وتعكس هذه المعطيات واقعاً معقداً يتداخل فيه ضعف الإمكانيات مع إكراهات اجتماعية واقتصادية، مما يزيد من حدة الفوارق في الولوج إلى الرعاية الصحية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن نسبة كبيرة من المواطنين أكدت أنها واجهت عراقيل متعددة خلال محاولتها الحصول على خدمات طبية، سواء تعلق الأمر بطول فترات الانتظار، أو نقص التجهيزات، أو ارتفاع التكاليف. ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل أشار عدد مهم من المشاركين إلى اضطرارهم لتقديم مبالغ مالية غير قانونية من أجل تسريع أو ضمان الحصول على العلاج، وهو ما يعكس استمرار مظاهر الفساد داخل بعض مرافق الخدمات الصحية.
في المقابل، تكشف المؤشرات المرتبطة بالبنية التحتية عن تحسن نسبي في بعض القطاعات، حيث تصل نسبة الارتباط بشبكة الكهرباء إلى مستويات مرتفعة مقارنة بعدد من الدول الإفريقية. ويُظهر هذا التباين أن التقدم في بعض المجالات لا يوازيه تطور مماثل في قطاعات أساسية أخرى، وعلى رأسها قطاع الصحة الذي يظل من أبرز أولويات المواطنين.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن الاهتمام بالخدمات الاجتماعية لا يقتصر على المغرب فقط، بل يشكل هاجساً مشتركاً لدى شعوب القارة الإفريقية. إذ تتصدر الرعاية الصحية قائمة الأولويات، تليها قطاعات التعليم والبنية التحتية، إضافة إلى قضايا الأمن وتوفير المياه. ويعكس هذا الترتيب حجم التحديات التي تواجه الحكومات في تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين.
تكشف المعطيات أن الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية لا تزال واضحة بين الفئات الاجتماعية والمجالات الجغرافية، حيث يعاني سكان المناطق القروية والفئات ذات الدخل المحدود من صعوبات أكبر مقارنة بسكان المدن. ويظهر هذا التفاوت بشكل جلي في الوصول إلى الماء الصالح للشرب والكهرباء، فضلاً عن الخدمات الصحية التي تبقى محدودة في العديد من المناطق النائية.
كما تُبرز الأرقام أن جزءاً مهماً من المواطنين في عدد من الدول الإفريقية يرى أن الحكومات غير قادرة على توفير خدمات أساسية بجودة كافية، خاصة ما يتعلق بالمياه والصرف الصحي ومكافحة الجريمة. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن هناك جهوداً تُبذل، لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب لتحقيق تحسن ملموس في الحياة اليومية.
ومن بين الجوانب اللافتة أيضاً، استمرار ظاهرة الرشوة في التعامل مع بعض المرافق العمومية، حيث أفاد عدد كبير من المستجوبين بأنهم اضطروا لدفع مبالغ مالية لتفادي مشاكل مع جهات مختلفة أو للحصول على وثائق وخدمات. وتُظهر هذه المعطيات أن الفئات الهشة، خصوصاً الشباب وذوي الدخل المحدود، هم الأكثر عرضة لمثل هذه الممارسات، ما يزيد من تعميق الإحساس بعدم المساواة.
ورغم الجهود التي تبذلها الحكومات الإفريقية لتحسين البنية التحتية وتوسيع نطاق الخدمات، إلا أن النتائج تشير إلى أن هذه الاستثمارات لم تنعكس بشكل متكافئ على جميع الفئات. فلا تزال هناك فجوات كبيرة بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الأغنياء والفقراء، وهو ما يحد من فعالية السياسات العمومية في تقليص الفوارق الاجتماعية.
وتؤكد المعطيات أن جودة الخدمات العمومية لا تقاس فقط بمدى توفرها، بل أيضاً بطريقة تقديمها وتجربة المواطنين أثناء الاستفادة منها. فالإجراءات المعقدة، وطول فترات الانتظار، والتكاليف المرتفعة، كلها عوامل تؤثر سلباً على نظرة المواطنين إلى أداء المؤسسات. كما أن المعاملة غير اللائقة أو طلب مبالغ غير قانونية تزيد من تدهور الثقة في هذه الخدمات.
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية وباقي الخدمات الأساسية يتطلب مقاربة شمولية تعالج الاختلالات البنيوية، وتُعزز الحكامة الجيدة، وتضمن توزيعاً عادلاً للموارد. كما أن الحد من الفساد يظل عاملاً حاسماً في تحسين جودة الخدمات واستعادة ثقة المواطنين، بما يساهم في تحقيق تنمية أكثر إنصافاً واستدامة.