افتتاح البرلمان على ضوء الجدل بين الأغلبية والمعارضة
كشف اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، تصاعد الجدل داخل الساحة السياسية حول أداء المؤسسة البرلمانية ومدى احترامها لأدوارها الدستورية، خاصة في ما يتعلق بالتشريع والمراقبة. فقد عبرت مكونات من المعارضة عن قلقها من تحول البرلمان إلى فضاء للمصادقة السريعة على مشاريع القوانين، بدل أن يكون مجالا للنقاش العمومي الرصين وإنتاج نصوص قانونية تستجيب لتطلعات المواطنين.
وترى أصوات معارضة أن الدورة الربيعية الجارية تحمل طابعا استثنائيا، بحكم كونها الأخيرة في عمر هذه الولاية، ما يجعلها محكومة بمنطق “السباق مع الزمن” لتمرير أكبر عدد ممكن من القوانين. هذا الوضع، بحسب هذه القراءات، يطرح إشكالا جوهريا يتعلق بجودة التشريع ومدى انسجامه مع روح الدستور، خاصة في ظل طرح مشاريع قوانين وصفت بـ“الثقيلة والمفصلية” في فترة زمنية ضيقة.
وتشير الانتقادات إلى أن البرلمان لم ينجح، خلال السنوات الأخيرة، في الاضطلاع الكامل بوظيفته الدستورية، حيث تم في حالات عديدة اختزال دوره في المصادقة على مبادرات حكومية، مع تراجع واضح في المبادرة التشريعية البرلمانية. كما سجلت المعارضة ضعفا في النقاش العمومي حول القوانين، مقابل هيمنة منطق الأغلبية العددية في تمرير النصوص، وهو ما يحد من التعددية السياسية داخل المؤسسة التشريعية.
وفي هذا الإطار، يثار تساؤل محوري حول مدى استقلالية البرلمان، وهل يمارس فعلا صلاحياته كسلطة قائمة بذاتها، أم أنه يتحول إلى امتداد للأغلبية الحكومية. ويزداد هذا التساؤل حدة مع تزايد الضغوط الرامية إلى تسريع وتيرة المصادقة على القوانين قبل انتهاء الولاية، وهو ما قد ينعكس سلبا على جودة النصوص التشريعية ومصداقيتها.
وتحذر المعارضة من أن التسرع في التشريع غالبا ما يؤدي إلى إنتاج قوانين غير متماسكة أو بعيدة عن الواقع المجتمعي، بل وقد تمس في بعض الأحيان بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. كما تشير إلى أن بعض النصوص يتم إعدادها بمنطق تقني أو إداري صرف، دون مراعاة كافية لأثرها الاجتماعي، أو إشراك فعلي للفاعلين المدنيين والخبراء في صياغتها.
وتبرز المخاوف بشكل خاص في القوانين ذات الطابع الحساس، مثل تلك المرتبطة بالحريات العامة أو القوانين ذات البعد الزجري، حيث تؤكد المعارضة ضرورة إخضاعها لنقاش عمومي واسع وضمان توافقها مع المعايير الدستورية والحقوقية. كما تشدد على أن التشريع لا ينبغي أن يقاس بعدد القوانين المصادق عليها، بل بمدى جودتها وقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
في المقابل، ترى مكونات من المعارضة أن الأولويات التشريعية ينبغي أن تتجه نحو القضايا الاجتماعية الملحة، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطنون، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة. وتعتبر أن التركيز على نصوص تقنية مرتبطة بالاستثمار أو المشاريع الكبرى، دون توفير ضمانات اجتماعية موازية، يعمق الفجوة بين السياسات العمومية وانتظارات الشارع.
كما تدعو هذه الأطراف إلى ضرورة احترام المسطرة التشريعية بكل مراحلها، بما في ذلك تقييم أثر القوانين قبل المصادقة عليها، وإشراك المجتمع المدني والخبراء، بما يضمن إنتاج نصوص أكثر توازنا ونجاعة. وترى أن تغييب هذه المقاربات يفتح الباب أمام تمرير قوانين قد تتحول لاحقا إلى مصدر اختلالات تستوجب التعديل أو المراجعة.
من جهة أخرى، حذرت قوى سياسية معارضة من توظيف الدورة التشريعية الأخيرة لأغراض انتخابية، عبر تمرير قوانين تستجيب لمصالح فئات معينة، أو تأجيل ملفات حساسة ذات كلفة سياسية. واعتبرت أن هذا السلوك يقوض ثقة المواطنين في المؤسسات، ويحول العمل التشريعي إلى أداة ظرفية بدل أن يكون تعبيرا عن الإرادة العامة.
وفي هذا السياق، أكدت المعارضة أن الرهان الأساسي يتمثل في استعادة البرلمان لدوره الحقيقي كمؤسسة تشريعية تمثل إرادة الشعب، وليس فقط تعبيرا عن توازنات الأغلبية. وشددت على أن احترام الدستور يقتضي الفصل الحقيقي بين السلط، وضمان استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، بما يعزز الديمقراطية ويصون الحقوق والحريات.
كما ربطت هذه المواقف بين جودة التشريع ومحاربة الفساد، معتبرة أن غياب الشفافية وضعف آليات المراقبة يساهمان في تكريس اختلالات بنيوية تمس الثقة في المؤسسات. ودعت إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنع تضارب المصالح، وضمان تكافؤ الفرص في الحياة السياسية.
وتؤكد المعارضة، في ختام مواقفها، أن المرحلة الحالية تفرض مراجعة عميقة لمنهجية العمل التشريعي، بما يضمن إنتاج قوانين منصفة ومتوازنة، تعكس تطلعات المجتمع وتحترم الدستور. كما تشدد على أن أي إصلاح حقيقي يمر عبر تعزيز دور البرلمان، وتكريس استقلاليته، والانفتاح على مختلف الفاعلين، بما يضمن تشريعا يخدم المصلحة العامة، بعيدا عن منطق السرعة والحسابات الضيقة.