130 دولة و1500 عارض و800 شركة يرسمون ملامح إفريقيا الرقمية بجيتكس2026

0

اختُتمت مساء أمس الخميس بمدينة مراكش فعاليات الدورة الرابعة من معرض GITEX Africa، في مشهد عكس بوضوح التحول المتسارع الذي تعرفه القارة الإفريقية في المجال التكنولوجي، والرهانات الكبرى المطروحة على الذكاء الاصطناعي والرقمنة كرافعتين أساسيتين للتنمية.

وعلى مدى ثلاثة أيام، تحولت المدينة الحمراء إلى منصة عالمية مفتوحة، استقطبت أكثر من 130 دولة، وحوالي 1500 عارض، إلى جانب 800 شركة ناشئة، من بينها ما يقارب 300 شركة مغربية، في حضور نوعي يعكس الدينامية المتزايدة للنسيج الرقمي الوطني وقدرته على التموقع ضمن المشهد الإفريقي والدولي.

حضور مغربي وازن وأرقام تعكس الطموح

شكلت المشاركة المغربية إحدى أبرز ملامح هذه الدورة، سواء من حيث عدد الفاعلين أو تنوع مجالات تدخلهم. فقد حضرت مؤسسات عمومية وخاصة، إلى جانب مقاولات ناشئة، لتقديم حلول مبتكرة في مجالات متعددة، من بينها الأمن السيبراني، والخدمات الرقمية، والتكنولوجيا المالية، والحوسبة السحابية.

ولم يقتصر الحضور المغربي على العرض فقط، بل امتد ليشمل إبرام شراكات استراتيجية واتفاقيات تعاون مع فاعلين دوليين، في خطوة تعكس رغبة المملكة في تسريع وتيرة التحول الرقمي وتعزيز موقعها كمركز تكنولوجي إقليمي. وقد همّت هذه الاتفاقيات مجالات حيوية، أبرزها تطوير البنيات التحتية الرقمية، وتعزيز استخدامات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى دعم الابتكار لدى الشركات الناشئة.

وفي هذا السياق، برزت مؤسسات مغربية كبرى، إلى جانب وكالات حكومية معنية بالتحول الرقمي، في تقديم مشاريع عملية تستهدف تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتقريب الإدارة من المرتفقين، في إطار رؤية “المغرب الرقمي”.

الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش الإفريقي

تميزت نسخة هذه السنة برفع شعار “الذكاء الاصطناعي من أجل إفريقيا”، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة العروض والندوات التي احتضنها المعرض. فقد تنافس العارضون على تقديم أحدث الحلول المعتمدة على الخوارزميات المتقدمة، لمعالجة تحديات واقعية تمس قطاعات حيوية كالفلاحة والصحة والنقل واللوجستيك.

وفي أروقة المعرض، كان واضحاً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيار مستقبلي، بل أصبح ضرورة ملحّة لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها الاقتصادات الإفريقية. كما برزت تطبيقات عملية تعتمد على تحليل البيانات الضخمة، والتعلم الآلي، والتنبؤ الذكي، في مجالات مثل تدبير الموارد المائية، وتحسين سلاسل الإمداد، وتطوير الخدمات الصحية.

غير أن هذا التوجه لم يخلُ من نقاشات معمقة حول الجوانب الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث شدد المشاركون على ضرورة وضع أطر تنظيمية تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا، وتحمي المعطيات الشخصية للمواطنين.

اتفاقيات استراتيجية لتعزيز التحول الرقمي

على هامش المعرض، تم توقيع سلسلة من الاتفاقيات التي وُصفت بـ”القوية” بالنظر إلى مجالاتها الاستراتيجية وتأثيرها المرتقب. وقد شملت هذه الشراكات التعاون في تطوير مراكز البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، إضافة إلى دعم الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية (FinTech).

كما تم التركيز على أهمية بناء سيادة رقمية وطنية، من خلال تشجيع إحداث مراكز بيانات محلية بكل دولة إفريقية، بما يضمن حماية المعطيات الحساسة وتأمين التدفقات المعلوماتية. وفي هذا الإطار، برزت مبادرات مغربية تهدف إلى جعل المملكة منصة رقمية تربط بين إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنياتها التحتية المتقدمة.

الشركات الناشئة… روح الابتكار الإفريقي

شكل رواق الشركات الناشئة أحد أبرز فضاءات المعرض، حيث عرضت مئات المقاولات الشابة حلولاً مبتكرة تستجيب لإشكالات واقعية. وقد سجلت الشركات المغربية حضوراً لافتاً، سواء من حيث العدد أو جودة المشاريع المعروضة، ما يعكس تطور منظومة الابتكار وريادة الأعمال في المملكة.

وتنوعت مجالات اشتغال هذه الشركات بين الصحة الرقمية، والزراعة الذكية، والخدمات المالية، والأمن السيبراني، والنقل الذكي، حيث سعت جميعها إلى تقديم حلول قابلة للتطبيق وذات أثر مباشر على حياة المواطنين.

نحو تموقع إفريقي أقوى في الاقتصاد الرقمي

أكدت الدورة الرابعة من “GITEX Africa” أن القارة الإفريقية باتت وجهة واعدة للاستثمارات التكنولوجية، في ظل الاهتمام المتزايد من طرف المستثمرين الدوليين، وتنامي الطلب على الحلول الرقمية.

كما أبرزت هذه التظاهرة الدور المتنامي للمغرب في قيادة هذا التحول، من خلال احتضانه لهذا الحدث القاري، وتبنيه لاستراتيجيات طموحة في مجال الرقمنة. ويبدو أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعها كـ”جسر رقمي” بين إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من شراكاتها الدولية، ومن حيوية نسيجها الاقتصادي والتكنولوجي.

وفي ختام هذا الحدث، بدا واضحاً أن الرهان على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العالمية المتسارعة، وهو ما يجعل من “GITEX Africa” أكثر من مجرد معرض، بل منصة لرسم ملامح مستقبل القارة في العصر الرقمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.