المعارضة تتهم الحكومة بفرض “قوانين متسرعة” وتهريب أخرى

0

 

صادق مجلس النواب خلال جلسة تشريعية حديثة بالأغلبية على مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، في إطار قراءة ثانية، وسط انتقادات واسعة من فرق المعارضة التي اعتبرت أن الحكومة تسابق الزمن لتمرير نصوص قانونية حساسة دون نقاش كافٍ أو توافق مؤسساتي حقيقي. وقد حظي المشروع بموافقة 77 نائباً مقابل معارضة 39 نائباً، في مؤشر يعكس استمرار الانقسام السياسي حول طبيعة الإصلاحات المطروحة في قطاع التوثيق.

وأثارت طريقة تدبير التعديلات جدلاً إضافياً، خصوصاً بعد سحب الحكومة تعديلاً يتعلق بالمادة 67 المرتبطة بشهادة اللفيف، والذي كان ينص على إضافة عبارة “ذكوراً وإناثاً” ضمن شروط الشهود. وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أوضح أن هذه الصياغة قد تفتح الباب أمام تأويلات متباينة، إذ يمكن فهمها على أنها إلزام بالجمع بين الرجال والنساء في كل شهادة، وهو ما اعتبره غير محسوم فقهياً وقضائياً في الممارسة المغربية. هذا التراجع، رغم تبريره التقني، اعتبرته المعارضة دليلاً على غياب رؤية واضحة في صياغة النصوص القانونية.

في السياق ذاته، برزت انتقادات سياسية حادة من طرف عدد من البرلمانيين، في مقدمتهم النائبة نبيلة منيب، التي اعتبرت أن مشروع القانون لا يندرج ضمن إصلاح حقيقي لمهنة العدول، بل يساهم في “إفراغها من محتواها” لفائدة فاعلين آخرين، في إشارة إلى الموثقين العصريين. وذهبت أبعد من ذلك حين ألمحت إلى وجود خلفيات غير معلنة تقف وراء هذا التوجه، معتبرة أن تغييب مطالب العدول ليس مجرد إجراء إداري بل يعكس اختيارات سياسية تخدم مصالح محددة.

وتوسعت منيب في انتقاداتها لتشمل سياقات أوسع، متحدثة عن تحولات عمرانية واجتماعية تشهدها مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، حيث اعتبرت أن عمليات الهدم والإفراغ تساهم في “تهجير السكان الأصليين” وطمس المعالم التراثية. وربطت هذه التحولات بما وصفته بمخططات تستهدف التحكم في العقار، موجهة اتهامات بوجود توجهات تسعى إلى تسهيل الاستحواذ على الأراضي عبر أدوات قانونية، في خطاب يعكس حجم الاحتقان السياسي المصاحب لمناقشة هذه النصوص.

وفي مقابل ذلك، دافعت الحكومة عن اختياراتها، معتبرة أن النصوص المعروضة تأتي في إطار تحديث المنظومة القانونية ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذا التبرير لم يقنع المعارضة التي رأت أن الإصلاح الحقيقي يقتضي إشراكاً أوسع للمهنيين واحتراماً أكبر للتوازنات الدستورية، بدل اللجوء إلى منطق الأغلبية العددية لفرض القوانين.

ولم يقتصر الجدل على مشروع قانون العدول، بل امتد إلى مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي أثار بدوره موجة انتقادات قوية داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال. المعارضة اعتبرت أن المشروع يحمل “نفساً تراجعياً” ويكرس نوعاً من الوصاية الحكومية على هيئة يفترض أن تتمتع بالاستقلالية.

في هذا الإطار، انتقدت النائبة ثورية عفيف طريقة صياغة المشروع، معتبرة أن اعتماد مفهوم “إعادة التنظيم” بدل “القانون” يعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل المؤسسة بدل تطويرها في إطار الاستمرارية القانونية. كما سجلت غياب تعريف واضح للصحفي المهني، وهو ما اعتبرته خللاً جوهرياً يمس بشرعية التمثيلية داخل المجلس.

من جهتها، شددت النائبة فاطمة التامني على أن المشروع لا يعزز استقلالية المجلس، بل يفتح الباب أمام تدخل حكومي أكبر، منتقدة الإبقاء على آليات تمثيلية غير متكافئة بين الصحفيين والناشرين. واعتبرت أن هذا التوجه يتعارض مع مبادئ الديمقراطية التمثيلية، وقد يؤدي إلى إضعاف دور المجلس كهيئة تنظيمية مستقلة.

في المقابل، دافع وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، عن المشروع، مؤكداً أن المجلس الوطني للصحافة ليس هيئة تمثيلية للصحفيين بل مؤسسة ذات دور استشاري وتنظيمي، وأن النقابات تبقى الإطار الأساسي للدفاع عن حقوق المهنيين. كما شدد على أن الحكومة تحترم قرارات المحكمة الدستورية، وأن النصوص المقترحة منسجمة مع المقتضيات القانونية القائمة.

ورغم هذا التوضيح، ظل التوتر قائماً بين الأغلبية والمعارضة، حيث اعتبرت الأخيرة أن الحكومة تتبنى منهجية “السرعة التشريعية” لتمرير قوانين دون منح الوقت الكافي للنقاش العمومي والمؤسساتي. هذا الإحساس تعزز مع تكرار تمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل في فترات زمنية قصيرة، ما دفع بعض البرلمانيين إلى التحذير من مخاطر إنتاج نصوص قد تواجه لاحقاً طعوناً بعدم الدستورية.

ويجمع عدد من المتتبعين على أن الإشكال لا يرتبط فقط بمضمون القوانين، بل أيضاً بطريقة إعدادها وتمريرها، حيث تغيب أحياناً المقاربة التشاركية التي ينص عليها الدستور، ويتم تعويضها بمنطق الأغلبية العددية داخل البرلمان. هذا الوضع يطرح تساؤلات حقيقية حول جودة التشريع ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين.

في المحصلة، تعكس هذه التطورات مرحلة دقيقة في العمل التشريعي بالمغرب، حيث تتقاطع رهانات الإصلاح مع تحديات التوافق السياسي والمؤسساتي. وبين رغبة الحكومة في تسريع وتيرة الإصلاح، وإصرار المعارضة على ضمان احترام المساطر الدستورية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على إنتاج قوانين تحظى بالشرعية السياسية والمجتمعية الكافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.