تقرير: وفاة ألفي عامل سنويا بالمغرب
دقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ناقوس الخطر مجددًا بشأن واقع الصحة والسلامة المهنية في المغرب، معتبرة أن ما يقع داخل أماكن العمل لم يعد مجرد اختلالات تقنية معزولة، بل أزمة بنيوية تمس الحق في الحياة ذاته. ففي بلاغ صادر بمناسبة اليوم الدولي للصحة والسلامة في العمل، كشفت الجمعية أن ما يقارب 2000 عامل يفقدون حياتهم سنويًا نتيجة حوادث الشغل، وهو رقم صادم يعكس حجم المخاطر اليومية التي تواجه ملايين الأجراء.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى تسجيل ما بين 50 ألف و60 ألف حادثة شغل مصرح بها سنويًا، غير أن هذه الأرقام تظل، حسب الفاعلين الحقوقيين، أقل بكثير من الواقع، بسبب انتشار ظاهرة عدم التصريح، خاصة في القطاعات غير المهيكلة أو الهشة. وهو ما يجعل الرقم الحقيقي للضحايا مرشحًا للارتفاع بشكل مقلق، في ظل غياب آليات فعالة للرصد والمحاسبة.
وترى الجمعية أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بضعف وسائل الوقاية أو غياب شروط السلامة، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، التي لا تضع كرامة العامل وسلامته في صلب السياسات العمومية. فالعامل، في عدد من القطاعات، لا يزال يشتغل في ظروف محفوفة بالمخاطر، سواء في الفلاحة أو البناء أو الصناعة التقليدية أو المناجم أو الصيد البحري، دون حماية كافية أو مراقبة منتظمة.
وتبرز خطورة الوضع من خلال استمرار تسجيل حوادث مميتة في أوراش كبرى، من بينها مشاريع مرتبطة بالتحضير لـ كأس العالم 2030، حيث تم تسجيل وفيات متعددة في مواقع مختلفة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام معايير السلامة في هذه المشاريع الاستراتيجية. وتنتقد الجمعية ما وصفته بـ”التكتم” الذي يحيط بهذه الحوادث، معتبرة أنه يهدف إلى الحفاظ على صورة ترويجية على حساب الحق في الحياة.
ولا تقتصر المخاطر على الحوادث المباشرة، بل تمتد إلى استعمال مواد خطيرة في قطاعات متعددة، مثل النسيج والجلد والصناعة والمعادن، في غياب مراقبة صارمة لمصدرها أو مكوناتها. كما تسجل حوادث مأساوية داخل الضيعات الفلاحية، من بينها حالات اختناق داخل صهاريج، إضافة إلى تزايد حوادث السير الجماعية المرتبطة بنقل العمال، والتي أودت بحياة العديد منهم خلال السنوات الأخيرة.
وتعكس هذه الوقائع، وفق نفس المصدر، هشاشة منظومة السلامة المهنية بالمغرب، والتي تعاني من اختلالات عميقة، أبرزها ضعف التغطية الاجتماعية، حيث لا يزال جزء كبير من العمال خارج أي نظام حماية. كما يتم تسجيل نقص حاد في عدد مفتشي الشغل وأطباء الشغل، ما يحد من فعالية المراقبة، ويشجع بعض المقاولات على الإفلات من الالتزامات القانونية، خاصة فيما يتعلق بالتصريح بالحوادث والأمراض المهنية.
في المقابل، يطرح هذا الواقع تساؤلات حارقة حول جدوى النمو الاقتصادي إذا لم ينعكس على تحسين ظروف العمل. ففي الوقت الذي تؤكد فيه مجموعة البنك الدولي أن المغرب قادر على إحداث 1.7 مليون منصب شغل إضافي بحلول 2035، وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة تقارب 20 بالمائة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تكون هذه الوظائف لائقة وآمنة.
ويشدد خبراء التنمية على أن أي إصلاح اقتصادي لا يواكبه تعزيز لحقوق العمال، سيظل ناقصًا، بل وقد يفاقم من الهشاشة الاجتماعية. فخلق فرص الشغل يجب أن يقترن بتحسين جودتها، وضمان شروط السلامة والكرامة داخل أماكن العمل، وإدماج النساء والشباب في سوق شغل منظم وعادل.
وتبرز توصيات البنك الدولي ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية تشمل تعزيز المنافسة، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتطوير نجاعة الاستثمارات العمومية، إلى جانب جعل سوق الشغل أكثر إدماجًا. غير أن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهينًا بمدى قدرتها على معالجة الاختلالات العميقة التي تعاني منها منظومة الشغل، وعلى رأسها ملف السلامة المهنية.
في المحصلة، يكشف رقم 2000 وفاة سنويًا عن حقيقة قاسية: العمل في المغرب لا يزال، بالنسبة لآلاف الأشخاص، مغامرة قد تنتهي بالموت. وبين طموحات النمو الاقتصادي وواقع الشغل الهش، تظل الحاجة ملحة إلى إعادة ترتيب الأولويات، ووضع الإنسان في صلب السياسات، لأن أي نموذج تنموي لا يحمي حياة العاملين، يظل مشروعًا ناقصًا مهما بلغت أرقام