تقرير: المغرب في الرتبة 92 عالميا في مؤشر “جودة النخب”

0

 

كشف تقرير دولي حديث حول “جودة النخب” عن صورة مركبة للوضع المغربي، تجمع بين حضور مؤسساتي وسياسي قوي نسبيا، وبين محدودية واضحة في تحويل هذه القوة إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة. التقرير الذي شمل 151 دولة صنف المغرب في المرتبة 92 عالميا ضمن مؤشر “جودة النخب”، فيما جاء في المرتبة 40 عالميا ضمن “مؤشر الجيل القادم لخلق القيمة”، وهو ما يعكس تفاوتا بين قدرة الدولة على إدارة المؤسسات وبين قدرتها على إنتاج نموذج اقتصادي ينعكس بشكل واسع على المجتمع.

ويقوم التقرير على تحليل معمق لـ148 مؤشرا موزعة على 12 ركيزة كبرى تشمل مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والبيئة والابتكار وسوق الشغل والتفاوت الاجتماعي والانفتاح الاقتصادي، بهدف قياس طبيعة أداء النخب السياسية والاقتصادية في مختلف الدول، ومدى مساهمتها في خلق الثروة والتنمية بدل الاكتفاء بالاستفادة من الامتيازات والريع.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فإن المغرب تمكن من التقدم بأربع مراتب في “مؤشر الجيل القادم لخلق القيمة” مقارنة بالسنة الماضية، وهو المؤشر الذي يركز على آفاق التنمية المستقبلية والعدالة بين الأجيال، ما يعكس تحسنا نسبيا في بعض المجالات المرتبطة بالاستدامة البشرية والتكنولوجية.

وأظهرت النتائج التفصيلية أن المغرب احتل مراتب متوسطة في عدة قطاعات أساسية، إذ جاء في المرتبة 47 عالميا في الابتكار والتكنولوجيا، والمرتبة 49 في الصحة والرفاه، ثم المرتبة 55 في التعليم والرأسمال البشري، بينما تراجع إلى المرتبة 61 في تكافؤ الفرص، والمرتبة 95 في البيئة والرأسمال الطبيعي، وهو ما يكشف استمرار اختلالات عميقة على مستوى العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

ويعتمد التقرير في فلسفته على التمييز بين مفهومين أساسيين هما “القوة” و”القيمة”. فالقوة تشير إلى قدرة النخب على التحكم في المؤسسات والقواعد الاقتصادية والسياسية، بينما ترتبط القيمة بمدى مساهمة هذه النخب في خلق الثروة المستدامة وتحقيق التنمية الشاملة. ويرى معدو التقرير أن الخلل يظهر حين تتحول القوة إلى وسيلة لاستخراج الثروة لفائدة فئات محدودة بدل توجيهها نحو الاستثمار والإنتاج.

وفي هذا السياق، وضع التقرير المغرب في المرتبة الخامسة إفريقيا ضمن مؤشر “القوة السياسية”، ما يعكس امتلاك الدولة لقدرات مؤسساتية وإدارية معتبرة مقارنة بعدد من الدول الإفريقية، سواء من حيث التحكم في الإدارة أو فعالية البنية التنظيمية أو الاستقرار السياسي النسبي. غير أن هذا الأداء لم ينعكس بنفس القوة على الجانب الاقتصادي، إذ تراجع المغرب إلى المرتبة 34 إفريقيا في “القوة الاقتصادية”، ثم إلى المرتبة 40 إفريقيا في “القيمة الاقتصادية”.

ويعني ذلك، وفق منطق التقرير، أن الاقتصاد الوطني ما يزال يواجه صعوبة في تحويل الإمكانيات المؤسساتية والسياسية إلى دينامية اقتصادية منتجة قادرة على خلق الثروة بشكل مستدام وتوسيع الاستفادة منها اجتماعيا. كما يعكس استمرار الاعتماد على قطاعات وأنشطة ذات مردودية محدودة على مستوى خلق القيمة المضافة وفرص الشغل عالية الجودة.

التقرير لم يكتف بترتيب الدول، بل حاول تقديم قراءة استشرافية لقدرة النخب على بناء نماذج تنموية قابلة للاستمرار. ولهذا الغرض، منح وزنا أكبر للمؤشرات المرتبطة بالمستقبل، خصوصا البيئة والرأسمال الطبيعي التي استحوذت وحدها على 30 في المائة من وزن “مؤشر الجيل القادم”، باعتبار أن التنمية المستقبلية لا يمكن أن تتحقق دون حماية الموارد الطبيعية وضمان الاستدامة البيئية.

كما منح المؤشر أوزانا متساوية لعوامل أخرى مثل التعليم والصحة والابتكار وتكافؤ الفرص، انطلاقا من اعتبارها ركائز أساسية لأي اقتصاد تنافسي قادر على مواجهة التحولات العالمية.

وفي هذا الإطار، تعكس النتائج الخاصة بالمغرب وجود مفارقة واضحة؛ فمن جهة تظهر البلاد تقدما نسبيا في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والصحة مقارنة بعدد من الدول النامية، ومن جهة أخرى تستمر الفوارق الاجتماعية والبيئية في إضعاف القدرة على تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.

ويبرز التقرير أيضا أن بعض الاقتصادات الناشئة تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحسين مواقعها بشكل ملحوظ بفضل الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والصناعة والإصلاحات الاقتصادية، وهو ما ينطبق على دول مثل الهند والبرازيل وتركيا ومصر، التي سجلت تقدما في مؤشرات خلق القيمة والتنمية المستدامة.

في المقابل، يؤكد معدو التقرير أن ارتفاع الناتج الداخلي الخام أو تحقيق نسب نمو مرتفعة لا يعني بالضرورة جودة أداء النخب، لأن المعيار الأساسي بالنسبة إليهم يظل مرتبطا بطبيعة الثروة المنتجة وكيفية توزيعها ومدى انعكاسها على المجتمع. ولذلك يمكن لبعض الدول الغنية أن تحصل على نتائج ضعيفة إذا كانت اقتصاداتها قائمة على الاحتكار أو الريع أو تركيز الثروة في يد فئات محدودة.

وعلى المستوى العالمي، حافظت سنغافورة على صدارة مؤشر “جودة النخب”، متبوعة بالولايات المتحدة واليابان وسويسرا والسويد، بينما تقدمت الصين إلى المرتبة الحادية عشرة عالميا، في إشارة إلى التحولات المتسارعة التي تعرفها الاقتصادات الآسيوية الصاعدة.

أما في “مؤشر الجيل القادم لخلق القيمة”، فقد تصدرت الدنمارك الترتيب العالمي، تلتها سويسرا ثم هولندا وألمانيا، وهي دول استطاعت بناء توازن بين القوة الاقتصادية والسياسية وبين الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والبيئة والتكنولوجيا.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل التنمية في مختلف الدول سيظل مرتبطا بقدرة النخب على تحقيق التوازن بين التحكم في المؤسسات وبين خلق قيمة حقيقية لفائدة المجتمع، محذرا من أن النخب التي تعتمد على الاقتصاد الريعي أو على احتكار الثروة تساهم في تعميق الاختلالات الاجتماعية وإضعاف فرص النمو المستدام على المدى الطويل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.