خطير: فوضى الأسعار تهدد وفرة الأضاحي

0

تحاول الحكومة تقديم صورة مطمئنة عن وضعية القطيع الوطني والأسواق، من خلال التأكيد على وفرة العرض واستقرار الحالة الصحية للماشية، غير أن هذه الرسائل الرسمية تصطدم بواقع مختلف يعيشه المواطنون في الأسواق، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع بشكل يثير القلق، وسط شعور متزايد بأن الحكومة عاجزة عن ضبط المضاربات أو حماية القدرة الشرائية للأسر.

تصريحات وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، أحمد البواري، ركزت على الأرقام التي تعكس، بحسبه، عودة التوازن إلى القطيع الوطني، إذ أكد أن عدد رؤوس الماشية بلغ حوالي 40 مليون رأس، وأن ما بين 8 و9 ملايين رأس جاهزة لعيد الأضحى، وهو رقم يفوق الطلب المتوقع الذي يتراوح بين 6 و7 ملايين رأس. كما شدد على أن القطيع “خال من الأمراض المعدية” وأن مختلف أجهزة المراقبة الصحية والبيطرية تواصل تتبع الأعلاف والأسواق ونقط البيع.

لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تبدد المخاوف المتصاعدة لدى المواطنين بشأن الأسعار التي بلغت مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة. فالمشكل الحقيقي بالنسبة للأسر المغربية لم يعد مرتبطا فقط بوفرة الأضاحي، بل بقدرتها على اقتنائها. وبينما تتحدث الحكومة عن تنوع العرض واختلاف السلالات والأحجام، يجد عدد كبير من المواطنين أنفسهم أمام أسعار تفوق إمكانياتهم المالية، خاصة في ظل استمرار موجة الغلاء التي تشمل المواد الأساسية والمحروقات والخدمات.

الحكومة تبدو وكأنها تراهن على خطاب الوفرة لامتصاص غضب الشارع، غير أن الوفرة وحدها لا تكفي حين تغيب آليات حقيقية لضبط السوق. فالتجارب السابقة أظهرت أن كثرة العرض لا تمنع المضاربين والوسطاء من التحكم في الأسعار، خصوصا في المناسبات الدينية التي تعرف ارتفاعا كبيرا في الطلب. وحتى اعتراف الوزير نفسه بوجود تخوفات من المضاربة، وإعلانه التنسيق مع وزارة الداخلية للحد منها، يعكس ضمنيا أن السوق لا تزال مفتوحة أمام المضاربين وأن التدخل الحكومي يأتي متأخرا.

كما أن حديث الحكومة عن تخصيص أسواق مؤقتة ونقط بيع إضافية لا يبدو كافيا لمعالجة أصل الأزمة، لأن الإشكال أعمق من مجرد توفير فضاءات للبيع. فالفلاح الصغير يشتكي بدوره من ارتفاع كلفة الأعلاف والنقل والتسمين، في حين يتحمل المواطن في النهاية الكلفة الأكبر. وبين الطرفين، تستمر شبكات السماسرة في تحقيق الأرباح مستفيدة من ضعف المراقبة وغياب تسقيف فعلي للأسعار.

إجراءات اجتماعية محدودة وانتقادات متزايدة لأداء الحكومة

في محاولة للتخفيف من الضغط الاجتماعي قبل عيد الأضحى، أعلنت الحكومة، على لسان الناطق الرسمي باسمها مصطفى بايتاس، تقديم موعد صرف أجور موظفي القطاع العام إلى 20 ماي الجاري، إلى جانب استمرار دعم مهنيي النقل مع تغيير وتيرة صرفه ليصبح كل 15 يوما بدل شهر. كما تحدثت الحكومة عن اعتمادات مالية إضافية يوجه الجزء الأكبر منها لدعم القدرة الشرائية وصندوق المقاصة وتعويضات ضحايا الفيضانات.

غير أن هذه الإجراءات تبدو بالنسبة لكثيرين مجرد حلول ظرفية لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فتقديم الأجور قبل العيد لا يعني زيادة في الدخل، بل مجرد تسبيق زمني للراتب، في وقت تستنزف فيه الأسعار المرتفعة القدرة الشرائية بشكل متواصل. أما دعم النقل، فرغم أهميته، لم ينعكس بشكل واضح على أسعار السلع والخدمات التي لا تزال تعرف تقلبات مستمرة.

الانتقادات الموجهة للحكومة لا تتعلق فقط بالجانب المعيشي، بل تمتد أيضا إلى طريقة تدبيرها للشأن التشريعي والسياسي. فقد حاول بايتاس الدفاع عن موقف الحكومة من مقترحات القوانين التي يقدمها البرلمان، مؤكدا أن السلطة التنفيذية تتعامل معها وفق انسجامها مع البرنامج الحكومي والتكلفة المالية المترتبة عنها. غير أن المعارضة تعتبر هذا التبرير دليلا على هيمنة الحكومة على المبادرة التشريعية وتقليص دور البرلمان في اقتراح حلول ومبادرات مستقلة.

وفي خضم هذا الجدل، تحاول الحكومة إبراز بعض المؤشرات الإيجابية، من قبيل توقع محصول زراعي يقارب 90 مليون قنطار هذه السنة، وهو رقم يفوق بكثير محصول السنة الماضية، إلى جانب الإعلان عن ترقيات استفاد منها أكثر من 22 ألف رجل وامرأة تعليم. لكن هذه المعطيات، رغم أهميتها، لا تنجح في تبديد الإحساس العام بتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين.

فالمغاربة اليوم لا يقيسون نجاح السياسات الحكومية بحجم الأرقام المعلنة في الندوات الصحافية، بل بقدرتهم الفعلية على مواجهة تكاليف المعيشة وتأمين احتياجاتهم الأساسية دون استنزاف ميزانياتهم المحدودة. وبين خطاب “وفرة العرض” وواقع “غلاء الأسعار”، تتسع دائرة الانتقادات لحكومة تبدو مطالبة بأكثر من مجرد طمأنة إعلامية، وبإجراءات أكثر جرأة وفعالية لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.