المجلس الاقتصادي والاجتماعي يرصد اختلالات السلوك المدني في المغرب

0

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن صورة مقلقة لواقع السلوك المدني داخل الفضاءات العمومية بالمغرب، حيث تتزايد مجموعة من الممارسات التي تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية وعلى جمالية الفضاء العام ووظيفته الاجتماعية. ويأتي هذا التشخيص في سياق نقاش أوسع حول التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وعلاقتها بتراجع بعض القيم المرتبطة بالمواطنة والاحترام المتبادل داخل المجال المشترك.

وتبرز في مقدمة هذه الاختلالات مظاهر مرتبطة بالنظافة العامة، إذ لا تزال ظاهرة رمي النفايات بشكل عشوائي في عدد من الفضاءات العمومية تشكل سلوكًا متكررًا ينعكس سلبًا على البيئة الحضرية. كما يسجل ارتفاع في مستويات الضوضاء داخل الأحياء والأماكن المشتركة، بما يحد من حق المواطنين في السكينة والراحة، ويؤثر على جودة العيش داخل المدن. ويضاف إلى ذلك انتشار سلوكيات لفظية غير لائقة في الفضاء العام، بما يعكس تراجعًا في احترام قواعد التعايش المدني.

كما يشير التقرير إلى استمرار مظاهر إتلاف التجهيزات العمومية والبنيات التحتية، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء الاستعمال، وهو ما يثقل كاهل الجماعات الترابية ويؤثر على استدامة الخدمات العمومية. ولا تتوقف هذه الاختلالات عند هذا الحد، بل تمتد إلى سلوكيات مرتبطة باستعمال الطرقات ووسائل النقل، حيث تسجل ممارسات متهورة تتسبب في حوادث خطيرة في بعض الحالات، ما يكشف ضعفًا في احترام قواعد السلامة المرورية.

وفي الفضاءات الرياضية، خصوصًا الملاعب، تظهر بين الفينة والأخرى حالات توتر وانفعال تتحول إلى تجاوزات وسلوكيات غير منضبطة، ترتبط غالبًا بسياقات المنافسة والضغط الجماهيري. هذه المظاهر، رغم كونها ظرفية أحيانًا، تعكس هشاشة في التحكم في السلوك داخل الفضاء العام، وغيابًا نسبيًا لثقافة الانضباط الجماعي.

ويرى المجلس أن هذه الاختلالات ليست معزولة، بل تعكس تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن أبرزها التحولات التي تعرفها التنشئة الاجتماعية، وتنامي تأثير الوسائط الرقمية في تشكيل السلوكيات والقيم، إضافة إلى استمرار بعض أشكال التفاوت الاجتماعي والهشاشة. كما يشير إلى محدودية تطبيق القوانين المنظمة للفضاءات العمومية وضعف آليات التدبير القريب في بعض الحالات.

وفي مقابل هذا الوضع، يدعو المجلس إلى إعادة الاعتبار لمفهوم السلوك المدني باعتباره رافعة أساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. ويؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين التربية والتأطير والتطبيق الصارم للقانون، بدل الاقتصار على الجانب الزجري فقط.

كما يشدد على أهمية تعزيز التربية على المواطنة داخل المنظومة التعليمية، من خلال إدراج قيم السلوك المدني بشكل منهجي في البرامج الدراسية منذ المراحل الأولى، مع اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة تساعد على تحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية. ويعتبر أن المدرسة تشكل ركيزة أساسية في إعادة بناء السلوك العام وترسيخ ثقافة الاحترام والمسؤولية.

ويضيف التقرير أن تحسين جودة الفضاءات العمومية وتطوير بنياتها التحتية يعد عنصرًا حاسمًا في توجيه السلوك العام، إذ إن الفضاء المنظم والنظيف والمحترم يساهم بشكل مباشر في تعزيز احترامه من طرف المواطنين. كما يبرز دور الجماعات الترابية في تحسين التدبير اليومي للفضاء العام وضمان فعالية القوانين المنظمة له.

كما يقترح المجلس إرساء إطار وطني موحد للسلوك المدني، يقوم على ميثاق واضح يحدد قواعد استعمال الفضاءات العمومية، مع إدماج بدائل تربوية وإصلاحية للعقوبات، مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو برامج التأهيل، بما يحقق التوازن بين الردع والإصلاح. كما يدعو إلى تفعيل مقتضيات قانونية بشكل أكثر نجاعة للحد من المخالفات التي تمس بالنظام العام.

ويعتبر المجلس أن الاستحقاقات الدولية المقبلة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك، تمثل فرصة مهمة لإطلاق دينامية جديدة لإعادة الاعتبار للسلوك المدني، وجعله جزءًا من صورة المغرب الحديثة، سواء على مستوى البنية التحتية أو على مستوى السلوك الجماعي داخل الفضاءات العمومية.

ويخلص إلى أن ترسيخ السلوك المدني ليس مجرد ورش ظرفي، بل هو مشروع مجتمعي طويل الأمد، يتطلب تعبئة جماعية وتنسيقًا بين مختلف الفاعلين، بهدف بناء فضاء عمومي يقوم على الاحترام والمسؤولية، ويعزز قيم المواطنة الحقة والتنمية المستدامة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.