اختلالات فظيعة في سوق الأدوية
شهدت جلسة تشريعية داخل مجلس النواب المغربي نقاشًا حادًا حول وضعية قطاع الأدوية والصيدلة، حيث وجه عدد من البرلمانيين انتقادات قوية للحكومة بسبب ما اعتبروه تراجعًا مقلقًا في الصناعة الدوائية الوطنية، مقابل تنامي الاعتماد على الاستيراد.
وخلال هذه المناقشات، برزت مداخلات برلمانية اعتبرت أن التعديلات المدخلة على مشروع قانون مدونة الأدوية والصيدلة لم ترقَ إلى مستوى الإصلاح الشامل المنتظر، بل اقتصرت على تغييرات جزئية لا تعالج الأعطاب البنيوية التي راكمها القطاع على مدى سنوات.
وأكد برلمانيون أن سوق الدواء في المغرب يعيش تحولات غير متوازنة، حيث يتم توجيه السياسات العمومية بشكل غير مباشر نحو تقوية موقع المستوردين على حساب المصنعين المحليين. واعتبروا أن هذا التوجه يهدد الأمن الصحي الوطني، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي كشفت أهمية امتلاك منظومة إنتاج دوائي قوية ومستقلة.
وفي هذا السياق، أثار النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، نقاشًا واسعًا داخل الجلسة، حين اعتبر أن الصناعة الدوائية الوطنية تعرف تراجعًا واضحًا، وأن المستفيد الأساسي من هذا الوضع هم الفاعلون في مجال الاستيراد. وأشار إلى أن الحكومة لم تنجح في تقديم إصلاح شامل يعيد الاعتبار للسيادة الدوائية، بل اكتفت بتعديلات تقنية محدودة لا تستجيب لانتظارات المهنيين ولا لاحتياجات المواطنين.
وأضافت مداخلات برلمانية أخرى أن غياب رؤية استراتيجية واضحة لتطوير قطاع الأدوية أدى إلى تعطيل عدد من المشاريع الإنتاجية الوطنية، بما فيها بعض المبادرات المرتبطة بالصناعة الحيوية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الاكتفاء الذاتي في المواد الدوائية الأساسية. كما تم التأكيد على أن استمرار هذا النهج قد يفاقم تبعية السوق الوطنية للخارج، ويجعلها عرضة لتقلبات الأسعار وسلاسل التوريد الدولية.
في المقابل، دعت أصوات برلمانية إلى ضرورة إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للقطاع، بما يسمح بتحفيز الاستثمار في التصنيع المحلي، وتطوير البحث العلمي في المجال الصيدلي، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما شددت على أهمية وضع سياسات تحمي المنتوج الوطني وتمنح الأولوية للدواء المصنع محليًا في الصفقات العمومية والبرامج الصحية الوطنية.
تواصلت داخل قبة البرلمان النقاشات الحادة حول مستقبل الصناعة الدوائية، حيث حذر برلمانيون من أن السياسات الحالية قد تؤدي إلى تعزيز الاعتماد على الاستيراد بشكل مفرط، على حساب بناء صناعة وطنية قوية قادرة على ضمان الأمن الصحي للمواطنين. واعتبر هؤلاء أن هذا التوجه لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد استراتيجية تمس السيادة الصحية للدولة.
وخلال المداخلات، تمت الإشارة إلى أن بعض القرارات المرتبطة بتنظيم سوق الدواء ساهمت في إضعاف الإنتاج المحلي، خصوصًا في مجالات حساسة مرتبطة بالأدوية الحيوية والمكونات الأساسية. كما تم التطرق إلى إشكالات مرتبطة بتوقيف أو تقليص بعض الأنشطة الإنتاجية الوطنية، مقابل اللجوء إلى الاستيراد من الخارج، رغم ما يطرحه ذلك من كلفة إضافية على المالية العمومية وعلى صناديق التأمين الصحي.
وانتقد النائب مصطفى إبراهيمي بشدة ما وصفه بتوجهات حكومية غير متوازنة، معتبرًا أن القطاع كان يتوفر على إمكانيات مهمة كان يمكن تطويرها بدل إضعافها. وأكد أن بعض المشاريع الوطنية المرتبطة بإنتاج مواد حيوية، مثل مكونات الدم، تعرضت للتعطيل لصالح الاستيراد، رغم أن المغرب كان قد راكم تجربة مهمة في هذا المجال عبر مؤسسات عمومية متخصصة.
وأشار برلمانيون إلى أن تعزيز الاستيراد لا يمثل حلًا مستدامًا، بل قد يخلق تبعية هيكلية للأسواق الخارجية، ويجعل المنظومة الصحية رهينة للعرض الدولي وظروفه المتقلبة. كما نبهوا إلى أن هذا الخيار قد يضعف قدرات المغرب التفاوضية في الحصول على الأدوية بأسعار مناسبة، ويزيد من الضغط على ميزانية الدولة وعلى نظام التغطية الصحية.
وفي المقابل، دعا عدد من النواب إلى اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الاعتبار للصناعة الدوائية، تقوم على دعم الابتكار، وتشجيع الاستثمار الصناعي، وتطوير قدرات الإنتاج المحلي، مع إدماج البعد الاجتماعي والصحي في كل السياسات المرتبطة بالدواء. كما شددوا على ضرورة إشراك مختلف الفاعلين، من مهنيين وصيادلة ومصنعين، في صياغة إصلاح حقيقي يضمن التوازن بين الجودة والتكلفة والسيادة الصحية.
واختتمت النقاشات بالتأكيد على أن مستقبل قطاع الأدوية في المغرب يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على إعادة توجيه اختياراتها الاستراتيجية نحو تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص التبعية للخارج، وضمان توفر الأدوية بأسعار عادلة وجودة عالية لجميع المواطنين.