الجواهري: الدعم المباشر للأسر ينبغي أن ينتهي قريبا
أكد والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن الدعم الاجتماعي المباشر الموجه للأسر لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة، بل يجب أن يبقى آلية ظرفية تُعتمد في فترات محددة تستدعي التدخل العمومي لمواكبة الفئات الهشة، مشددا على أن استدامة هذا الدعم على المدى الطويل تطرح تحديات مالية واقتصادية كبرى.
وأوضح الجواهري، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت الاجتماع الفصلي الثاني لمجلس بنك المغرب برسم سنة 2026، أن الدولة لا يمكنها الاستمرار في تقديم الدعم المباشر للأسر بشكل دائم، مبرزا أن الحل الحقيقي يكمن في تحقيق معدلات نمو اقتصادية متواصلة وقادرة على خلق فرص الشغل والحد من البطالة، وهو ما يتطلب مساهمة أكبر من القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج.
وفي تعليقه على النقاش السياسي الدائر بشأن مستقبل الدعم الاجتماعي، خاصة بعد الوعود التي بدأ بعض الفاعلين السياسيين في الترويج لها استعدادا للاستحقاقات المقبلة، اعتبر الجواهري أن الحديث عن زيادة أو تقليص الدعم يبقى مرتبطا ببرامج الحكومات المقبلة وأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا أن أي قرار في هذا المجال يجب أن يراعي التوازنات المالية للدولة وقدرتها على التمويل.
وفي السياق ذاته، توقف والي بنك المغرب عند ورش إصلاح صندوق المقاصة، معتبرا أن هذا الإصلاح يظل ضرورة اقتصادية واجتماعية، لكنه يواجه صعوبات مرتبطة بالظرفية الحالية. وأشار إلى أن الدولة كانت قد اصطدمت خلال السنوات الأخيرة بعدة تحديات، من بينها تداعيات جائحة كوفيد-19، وتأخر استكمال آليات الاستهداف الاجتماعي المباشر، فضلا عن الضغوط الاقتصادية الدولية، وهو ما أدى إلى تأجيل تنزيل هذا الإصلاح بالشكل المأمول.
وأوضح أن نظام المقاصة الحالي لا تستفيد منه الفئات الفقيرة وحدها، بل يشمل شرائح اجتماعية مختلفة، وهو ما يجعل إصلاحه أمرا ضروريا لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان توجيه الموارد العمومية إلى الفئات الأكثر استحقاقا. وأكد أن هذا الورش سيتواصل تدريجيا عندما تتوفر الظروف الملائمة لإنجازه.
وعلى صعيد آخر، تطرق الجواهري إلى تداعيات التوترات الجيوسياسية الدولية، خاصة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي. وأبرز أن استمرار هذه الأزمة من شأنه أن يفاقم اضطرابات سلاسل التوريد العالمية ويرفع من كلفة الطاقة والنقل، وهو ما ستكون له انعكاسات على العديد من الاقتصادات، بما فيها الاقتصاد المغربي.
ورغم ذلك، شدد والي بنك المغرب على أن العامل الأكثر تأثيرا في الأداء الاقتصادي الوطني يظل مرتبطا بالقطاع الفلاحي. وأوضح أن التغيرات في حجم الإنتاج الفلاحي تنعكس بشكل مباشر على معدلات النمو، مشيرا إلى أن الانتقال من موسم يحقق إنتاجا في حدود 90 مليون قنطار من الحبوب إلى موسم لا يتجاوز 50 مليون قنطار يؤدي إلى فقدان الاقتصاد الوطني لنقطتين من النمو.
وأضاف أن أهمية القطاع الفلاحي لا تقتصر على إنتاج الحبوب فقط، بل تشمل مختلف الأنشطة الزراعية التي تؤثر على الحركة الاقتصادية والتشغيل ومستويات الاستهلاك. واستشهد في هذا الإطار بالموسم الفلاحي الماضي الذي عرف وفرة في إنتاج الزيتون، وهو ما ساهم في تخفيف الضغوط التضخمية على بعض المواد الغذائية.
كما أشار إلى أن الاقتصاد المغربي بات يعتمد بشكل متزايد على قطاعات صناعية وخدماتية أخرى، من بينها صناعة السيارات، التي تشكل إحدى ركائز الصادرات الوطنية. وأوضح أنه رغم المخاوف التي سادت خلال السنة الماضية بشأن احتمال تأثر هذا القطاع بالأوضاع الاقتصادية في أوروبا، فإن المؤشرات الحالية وتطمينات الفاعلين الصناعيين تبعث على التفاؤل بشأن أداء القطاع خلال السنة الجارية والسنة المقبلة.
وفي ما يتعلق بتنظيم العملات الرقمية، كشف الجواهري أن مشروع القانون الخاص بتقنين هذا المجال بلغ مرحلة متقدمة من المناقشة، موضحا أن النص الذي سبق نشره لتلقي الملاحظات يخضع حاليا لتشاور بين بنك المغرب والأمانة العامة للحكومة من أجل إدخال التعديلات اللازمة قبل استكمال مسطرة اعتماده.
وفي الشق النقدي، أعلن بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 2.25 في المائة، مبررا هذا القرار بتوقعات استمرار التضخم في مستويات متحكم فيها ومتوافقة مع هدف استقرار الأسعار على المدى المتوسط، إلى جانب استمرار دينامية النشاط الاقتصادي رغم حالة عدم اليقين التي تطبع الاقتصاد العالمي.
وأشار البنك المركزي إلى أن تداعيات النزاعات الجيوسياسية الأخيرة أدت إلى ارتفاع فاتورة الطاقة وأسعار المحروقات، التي سجلت زيادة سنوية بلغت 27.6 في المائة خلال شهر ماي الماضي، ما من شأنه أن ينعكس على مستويات التضخم خلال الفترة المقبلة.
وبحسب التوقعات المحينة لبنك المغرب، يرتقب أن يبلغ معدل التضخم في المتوسط 1.5 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن يرتفع إلى 2.1 في المائة سنة 2027، في حين يتوقع أن يبقى التضخم الأساسي محدودا خلال السنة الجارية قبل أن يتسارع تدريجيا خلال السنة المقبلة بفعل ارتفاع التضخم المستورد وتراجع أثر انخفاض أسعار بعض المنتجات الغذائية. ويعكس ذلك، وفق المؤسسة النقدية، استمرار قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على توازناته الأساسية رغم التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة.