خطير: الحكومة تتغول تشريعيا وتمرر قوانين مثيرة للجدل
فتحت الأغلبية الحكومية داخل مجلس النواب فصلا جديدا من الجدل السياسي والمهني، بعدما صادقت بالأغلبية، في جلسة تشريعية ساخنة، على ثلاثة مشاريع قوانين تهم تنظيم مهن المحاماة والعدول والصحافة، رغم استمرار الاعتراضات الصادرة عن الهيئات المهنية المعنية ومطالب المعارضة بإعادة فتح النقاش حول النصوص المثيرة للخلاف. واعتبر متابعون أن ما جرى يعكس منطق الحسم العددي داخل المؤسسة التشريعية، مقابل تراجع منطق التوافق والإنصات، وهو ما وصفته أطراف معارضة ومهنية بأنه شكل من أشكال “العنف التشريعي” الذي يفرض قوانين تمس قطاعات حساسة دون تحقيق توافق واسع بشأنها.
وشهدت جلسة مجلس النواب رفض الأغلبية لجميع مطالب المعارضة الرامية إلى إعادة مشروع قانون المحاماة إلى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان من أجل مناقشته من جديد، رغم استمرار الاحتجاجات التي يخوضها المحامون أمام البرلمان وفي مختلف محاكم المملكة.
وأكد أحمد التويزي، رئيس الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن البرلمان يشرع لفائدة المواطنين وليس لفائدة أي فئة مهنية، معتبراً أن التشريع يخضع لمساطر دستورية واضحة، ورافضاً ما اعتبره تشريعاً على المقاس. وشدد على أن الأغلبية دعمت المشروع منذ انطلاق مناقشته وستواصل دعمه لأنه، بحسب تعبيره، يعزز مهنة المحاماة ويحافظ على استقلاليتها وحصانتها.
في المقابل، طالبت مكونات المعارضة بإرجاع المشروع إلى اللجنة المختصة. ودعا عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي، وعبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى إعادة فتح النقاش بشأن المواد التي ما تزال محل خلاف مع المحامين، معتبرين أن استمرار الخلاف يفرض البحث عن توافق جديد.
كما أكد رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، أن المعارضة ظلت ثابتة في موقفها الرافض للمشروع منذ القراءة الأولى، داعياً إلى الإنصات للمحامين، ومشيراً إلى أن حتى بعض الروابط المهنية المحسوبة على أحزاب الأغلبية أعلنت رفضها للنص، وهو ما اعتبره دليلاً على أن الاعتراض لا يقتصر على المعارضة السياسية، بل يمتد إلى داخل الجسم المهني نفسه.
ورغم ذلك، صادق مجلس النواب على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بأغلبية 85 نائباً مقابل معارضة 35 نائباً، مع إدخال تعديلين حكوميين على المادتين 77 و131، قبل اعتماد المشروع في قراءة ثانية واستكمال مساره التشريعي.
وجاءت هذه المصادقة في وقت يواصل فيه المحامون اعتصاماتهم وإضراباتهم، معتبرين أن المشروع يمس باستقلالية المهنة ويقوض عدداً من الضمانات المهنية، فيما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عزمها مواصلة التصعيد واللجوء إلى مختلف الآليات القانونية والمؤسسات المهنية الوطنية والدولية للدفاع عن مطالبها.
ولم يقتصر الجدل على قانون المحاماة، إذ صادق مجلس النواب كذلك على مشروع القانون رقم 51.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، بعد إدخال تعديلات استجابة لقرار المحكمة الدستورية.
وشملت التعديلات مقتضيات مرتبطة بحالات التنافي، والاستعانة بالمترجم، وشهادة اللفيف، والاختصاصات التأديبية، إلى جانب الإعلان عن مشروع رقمنة الأرشيف الوطني للعقود العدلية.
غير أن هذه التعديلات لم تنه حالة الاحتقان داخل قطاع العدول، حيث تؤكد الهيئات المهنية أن المشروع بصيغته الحالية لا يستجيب للمطالب الأساسية للمهنة، ولا يعكس التوافق المطلوب حول الإصلاح، معلنة استمرار الاحتجاجات والتصعيد خلال المرحلة المقبلة.
وامتد المسار التشريعي المثير للجدل إلى قطاع الصحافة، بعدما صادق مجلس النواب على مشروع القانون رقم 27.25 القاضي بتغيير وتتميم النظام الأساسي للصحافيين المهنيين، في ظل اعتراضات واسعة من صحافيين ومؤسسات إعلامية وهيئات مهنية اعتبرت أن النصوص الجديدة لم تسبقها مشاورات كافية مع مختلف الفاعلين في القطاع.
وركزت الانتقادات على ما اعتبرته مخاوف من المساس باستقلالية التنظيم الذاتي للمهنة، وإعادة رسم قواعد التمثيلية داخل المؤسسات المهنية، إلى جانب التخوف من تقليص استقلالية المجلس الوطني للصحافة باعتباره المؤسسة المكلفة بتنظيم القطاع بعيداً عن أي تدخلات.
في المقابل، دافعت الحكومة عن المشروع، مؤكدة أنه يندرج ضمن ورش إصلاح المنظومة القانونية للصحافة والإعلام، ويهدف إلى تحديث الإطار القانوني للمهنة، وتوسيع الاعتراف بفئات جديدة من الصحافيين، وتعزيز شفافية منح البطاقة المهنية، وتطوير التكوين المستمر بما يواكب التحولات التي يعرفها القطاع.
وتكشف المصادقة المتزامنة على هذه المشاريع الثلاثة عن توجه حكومي واضح نحو تسريع إخراج عدد من القوانين المنظمة للمهن، غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع سياسي ومهني متوتر، عنوانه غياب التوافق مع الهيئات المعنية، واعتماد منطق الأغلبية العددية داخل البرلمان لحسم ملفات ذات حساسية كبيرة.
ويرى مراقبون أن البرلمان وجد نفسه مرة أخرى أمام اختبار دقيق يتعلق بالتوازن بين الشرعية العددية التي تمنحها الأغلبية الحكومية، والشرعية التشاركية التي تقتضي إشراك الفاعلين المهنيين في صياغة النصوص المؤطرة لمهنهم. وبينما تعتبر الحكومة أن المؤسسات الدستورية قامت بأدوارها وأن المسطرة التشريعية احترمت جميع مراحلها، تؤكد الهيئات المهنية أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة المصادقة على القوانين، وإنما بقدرتها على تحقيق التوافق وضمان الاستقرار داخل القطاعات المعنية.
وبين منطق الأغلبية الذي يعتبر أن البرلمان سيد قراراته، ومنطق الهيئات المهنية التي ترى أن الإصلاح لا ينجح دون الإنصات والتشاور، يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة من التوتر بين السلطة التشريعية وعدد من المهن المنظمة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة بناء جسور الثقة بين المؤسسات والفاعلين المهنيين، حتى لا تتحول النصوص القانونية إلى مصدر دائم للاحتقان بدل أن تكون مدخلاً للإصلاح.