المفتشية العامة للمالية تفتح تحقيقات في “صفقات مكررة”
باشرت المفتشية العامة للمالية تحقيقات واسعة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، على خلفية الاشتباه في اعتماد ممارسات تروم التحايل على مقتضيات الصفقات العمومية، من خلال ما بات يعرف بـ”تفريخ الصفقات” أو إعادة اقتناء مواد وتجهيزات سبق أن كانت مدرجة ضمن صفقات أصلية، عبر عقود جديدة ترتب عنها ارتفاع كبير في كلفة المشاريع.
وتستند هذه التحقيقات إلى إشعارات توصلت بها أجهزة الرقابة المالية من آمرين بالصرف وخزنة، بعدما أثارت طلبات اعتمادات مالية إضافية لفائدة صفقات مستقلة شكوكا بسبب مبرراتها التقنية غير المقنعة، ما دفع المفتشية إلى فتح أبحاث معمقة قصد التحقق من مدى قانونية هذه العمليات.
وكشفت المعطيات الأولية أن عددا من المشاريع شهدت تغييرا في أصناف مواد وتجهيزات أساسية كانت مبرمجة ضمن الصفقات الأصلية، قبل أن يتم اقتناؤها لاحقا من خلال صفقات جديدة بكلفة إضافية مرتفعة، وهو ما اعتبرته المفتشية التفافا على الضوابط القانونية المؤطرة لتعديل العقود العمومية، التي تحدد الحالات الاستثنائية التي تسمح بإدخال تعديلات دون اللجوء إلى منافسة جديدة.
وأظهرت عمليات التدقيق أن هذه الممارسات لم تكن معزولة، بل تكررت في عدة مشاريع، ما أدى في بعض الحالات إلى ارتفاع كلفة الإنجاز بأكثر من ثلث القيمة الأصلية للصفقة، وهو ما حمل الميزانية العمومية أعباء مالية إضافية كان بالإمكان تفاديها عبر إعداد الدراسات التقنية الدقيقة واحترام مساطر البرمجة والاقتناء منذ البداية.
وتركز المفتشية حاليا على فحص مدى التزام مسؤولي الصفقات والطلبيات داخل 13 مؤسسة ومقاولة عمومية ومصالح تابعة لها بمقتضيات المرسوم المنظم للصفقات العمومية، خاصة ما يتعلق بالقيود المفروضة على التعديلات الجوهرية التي تمس طبيعة الأشغال أو المواد المستعملة، باعتبار أن مثل هذه التغييرات تستوجب، من حيث المبدأ، إطلاق صفقات جديدة وفق قواعد المنافسة والشفافية.
كما تستند التحقيقات إلى آراء استشارية سابقة للجنة الوطنية للطلبيات العمومية، سجلت حالات مشابهة جرى فيها تقديم تعديلات جوهرية على أنها مجرد تغييرات تقنية بسيطة، بهدف تفادي إطلاق مساطر تنافسية جديدة، رغم أن طبيعة الأشغال أو المواد كانت تختلف بشكل واضح عن تلك المنصوص عليها في العقود الأصلية.
وأبان الفحص الأولي لعدد من الملفات أن بعض الأشغال الإضافية تجاوزت الحدود القانونية المسموح بها، مما حول مفهوم “التعديلات التقنية” إلى آلية للتحايل على القانون وتضخيم الكلفة الإجمالية للمشاريع، وهو ما دفع المفتشية إلى توسيع نطاق الأبحاث.
ولا تقتصر التحقيقات على مراجعة الوثائق والعقود، بل تشمل أيضا الاستماع إلى المسؤولين عن البرمجة التقنية للمشاريع، والمكلفين بتتبع تنفيذ الأشغال والمراقبة الميدانية، من أجل تحديد المسؤوليات الإدارية والقانونية وترتيب الجزاءات في حق كل من يثبت تورطه في هذه الاختلالات.