مشروع قانون المحاماة بين الرقابة الدستورية واستمرارية مرفق العدالة قراءة دستورية وحقوقية في حماية حق الدفاع والمسؤولية المهنية للمحامي

0

بقلم: الدكتور خالد الفتاوي

محامي بهيئة مراكش.وفاعل جمعوي

يشكل مشروع قانون مهنة المحاماة محطة تشريعية مفصلية في تاريخ العدالة المغربية، لما له من أثر مباشر على استقلال المهنة، وعلى فعالية حق الدفاع، وعلى التوازن الضروري بين مختلف مكونات منظومة العدالة. ومن الطبيعي أن يثير هذا المشروع نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والحقوقية والأكاديمية، لأن المحاماة ليست مجرد مهنة حرة، بل هي ركن أساسي من أركان المحاكمة العادلة ودولة القانون.

لقد كرس دستور المملكة المغربية مكانة خاصة لحقوق الدفاع، حيث نص الفصل 120 على أن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم، كما أكد الفصل 117 أن القضاء يتولى حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. ولا يمكن تصور قضاء عادل وفعال دون دفاع مستقل يتمتع بالحرية اللازمة لأداء رسالته.

ومن هذا المنطلق، فإن كل مقتضى تشريعي يتعلق بممارسة المحامي لمهامه ينبغي أن يخضع لمعيار دستوري دقيق يوازن بين حماية النظام العام القضائي وهيبة الجلسات من جهة، وضمان استقلال المحامي وحرية المرافعة وفعالية الدفاع من جهة أخرى.

كما أن الفصل السادس من الدستور أرسى مبدأ الأمن القانوني، بما يقتضي أن تكون القاعدة القانونية واضحة ودقيقة وقابلة للتوقع، حتى يتمكن المخاطب بها من معرفة حدود حقوقه والتزاماته. وقد استقر اجتهاد المحكمة الدستورية على أن الغموض الذي يفتح المجال لتأويلات متعارضة من شأنه أن يمس استقرار المراكز القانونية ويخل بمتطلبات اليقين القانوني.

وفي هذا السياق، فإن النقاش الدائر حول بعض مواد مشروع قانون المحاماة، وخاصة المقتضيات المتعلقة بحصانة المرافعات وحدود مساءلة المحامي أثناء قيامه بواجبه المهني، يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى دقة الصياغة التشريعية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات النظام داخل الجلسات القضائية وضمانات الدفاع.

إن حماية هيبة القضاء وحسن سير الجلسات هدف مشروع لا خلاف حوله، غير أن هذه الحماية ينبغي ألا تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى خلق مناخ من التردد أو الرقابة الذاتية لدى المحامي أثناء أدائه لرسالته. فالاجتهاد الحقوقي المقارن تحدث عن مفهوم «الأثر الرادع» (Chilling Effect)، أي الحالة التي يدفع فيها الغموض التشريعي أو الخوف من الجزاء الشخص إلى الإحجام عن ممارسة حق مشروع. وفي مجال المحاماة، قد ينعكس ذلك على جرأة الدفاع وفعاليته، وهو ما يمس في النهاية حق المتقاضي نفسه في محاكمة عادلة.

ولعل هذا التصور يجد سنده أيضا في المرجعيات الدولية ذات الصلة. فالمغرب، بمقتضى تصدير دستوره، أكد تشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والتزامه بملاءمة تشريعاته مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها. ويأتي في مقدمة هذه المرجعيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن الحق في محاكمة عادلة وفي الاستعانة بمحام للدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة.

كما تمثل مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، المعروفة بمبادئ هافانا لسنة 1990، مرجعا تفسيريا مهما في هذا المجال. فرغم أنها تندرج ضمن ما يعرف بالقانون الدولي غير الملزم (Soft Law)، فإنها تؤكد ضرورة تمكين المحامين من أداء وظائفهم المهنية دون ترهيب أو مضايقة أو تدخل غير لائق، وتقر بوجوب توفير الضمانات الكفيلة بممارسة الدفاع بحرية واستقلال.

ومن هنا، فإن الرقابة الدستورية على مشروع قانون المحاماة تكتسي أهمية بالغة، لأنها تشكل الآلية المؤسساتية التي خولها الدستور لضمان انسجام التشريع مع المبادئ الدستورية وحماية الحقوق والحريات. ومن حق كل الفاعلين المعنيين أن يعبروا عن آرائهم القانونية وأن يقدموا قراءاتهم الدستورية في إطار احترام المؤسسات والقانون.

غير أن الدفاع عن حقوق المحامين واستقلال مهنتهم يجب أن يقترن كذلك بالوعي العميق بالمسؤولية المهنية الملقاة على عاتقهم تجاه المتقاضين والمجتمع. فمرفق العدالة لا يحتمل الشلل، وتأخر البت في القضايا وتراكم الملفات ينعكسان مباشرة على حقوق المواطنين وعلى الثقة في المؤسسات القضائية.

لذلك، أرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجه نحو تغليب الحكمة وروح المسؤولية، وذلك من خلال استئناف المحامين لعملهم داخل المحاكم، مع مواصلة الترافع القانوني والمؤسساتي بشأن المقتضيات التي تستدعي المراجعة أو إعادة الصياغة. فالدفاع عن المهنة لا يتعارض مع خدمة المتقاضين، بل إن قوة المحاماة واستقلالها يقاسان أيضا بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العدالة والمجتمع.

كما أن تجاوز حالة التوتر يقتضي فتح قنوات حوار منتظمة بين هيئات المحامين والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل، وعقد اجتماعات عملية تهدف إلى وضع حلول واقعية لمعالجة التأخير وتراكم القضايا وتحسين ظروف اشتغال المحاكم وتطوير آليات التواصل والتنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة.

إن المغرب، وهو يواصل مسار ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، في حاجة إلى تشريع متوازن للمحاماة، يحفظ كرامة المهنة واستقلالها، ويصون حقوق الدفاع، ويعزز الثقة في القضاء، وفي الوقت نفسه يضمن استمرارية مرفق العدالة وخدمة المواطنين بكفاءة وفعالية.

فالمحامي المغربي كان دائما شريكا أساسيا في بناء دولة الحق والقانون، وسيظل وفيا لرسالته النبيلة القائمة على الدفاع عن الحقوق والحريات، واحترام المؤسسات، والمساهمة في تحقيق عدالة مستقلة وفعالة ومنصفة.—————

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.