الداخلية: عوامل خارجية وعصابات تهريب البشر في أحداث سبتة وصحيفة “لاراثون” تؤكد ذلك

0

أعادت محاولات العبور الجماعي التي شهدتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينة سبتة المحتلة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش الوطني، بعدما كشفت التطورات عن تباين واضح في قراءة أسباب هذه الظاهرة بين المقاربة الرسمية التي تقودها وزارة الداخلية، والتي ركزت على تأثير العوامل الخارجية وشبكات الاتجار بالبشر، وبين مواقف الأحزاب السياسية والنقابات التي اعتبرت أن تفاقم الأوضاع الاجتماعية وتهميش فئات واسعة من الشباب يشكلان المحرك الأساسي لهذه المحاولات.

وأكدت وزارة الداخلية، في تصريح للناطق الرسمي باسمها، أن الأحداث لم تكن وليدة الصدفة أو عوامل ظرفية، بل جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، ونشر معلومات مضللة استهدفت إيهام آلاف الشباب بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية. كما شددت على الدور الذي تلعبه عصابات الاتجار بالبشر في استغلال أوضاع الراغبين في الهجرة، إضافة إلى التأويلات الخاطئة لبعض القرارات والإجراءات القانونية التي غذت الاعتقاد بإمكانية الإفلات من الإعادة الفورية عند الوصول إلى السواحل الإسبانية سباحة.

وأوضحت الوزارة أن السلطات العمومية تعاملت مع المؤشرات الأولى لهذه التطورات وفق مقاربة استباقية، ارتكزت على الرصد المبكر، وتعزيز الجاهزية الأمنية، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، وهو ما مكن من التحكم في الوضع، وحماية الأرواح، والحفاظ على النظام العام وأمن الحدود. كما كشفت أن العدد الفعلي للمشاركين بلغ حوالي أربعين ألف شخص في اتجاه سبتة، ونحو 1135 شخصا في اتجاه مليلية، مؤكدة أن هذه الأرقام تستند إلى معطيات ميدانية دقيقة، خلافا لما تم تداوله من أرقام غير موثقة.

وأبرزت الداخلية أن بعض القرارات القضائية الإسبانية المتعلقة بتقييد تطبيق الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، تعرضت لتأويلات مغلوطة جرى استغلالها على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، وهو ما شجع عددا من الشباب على الاعتقاد بأن العبور سباحة يمثل فرصة أكبر للوصول إلى الضفة الأخرى، رغم ما يحمله من مخاطر جسيمة أودت بحياة عدد من الضحايا.

وفي المقابل، اعتبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن تكرار محاولات العبور الجماعي بمشاركة أعداد متزايدة من المواطنات والمواطنين يعكس أزمة اجتماعية عميقة وفقدانا متزايدا للثقة في المؤسسات والأمل في المستقبل، مؤكدة أن البطالة والهشاشة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية وارتفاع تكاليف المعيشة عوامل دفعت العديد من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن مهما كانت المخاطر.

ودعت النقابة إلى تجاوز المقاربة الأمنية وحدها، واعتماد سياسات عمومية قادرة على معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، عبر خلق فرص الشغل، وتقوية الحماية الاجتماعية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة، بما يعيد الثقة ويصون كرامة المواطنين.

من جهته، عبر حزب التقدم والاشتراكية عن قلقه العميق إزاء المشاهد المؤلمة التي رافقت محاولات الهجرة الجماعية، معتبرا أن هذه الأحداث تعكس محدودية النموذج التنموي في الاستجابة لتطلعات الشباب. وأكد الحزب أن اتساع دائرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل أصبح يشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع، محذرا من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة في المستقبل.

وطالب الحزب الحكومة بالخروج عن صمتها وتقديم توضيحات للرأي العام، مع إطلاق إصلاحات اقتصادية واجتماعية وديمقراطية تعزز فرص الشغل، وتحقق العدالة الاجتماعية، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الوسيطة والأحزاب السياسية حتى تقوم بأدوارها في التأطير والتواصل مع المواطنين، خاصة فئة الشباب.

وبينما تؤكد وزارة الداخلية أن مواجهة الظاهرة تقتضي التصدي لشبكات الاتجار بالبشر، ومحاربة التضليل الرقمي، وتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية، ترى الأحزاب والنقابات أن نجاح أي مقاربة يظل رهينا أيضا بمعالجة جذور الأزمة الاجتماعية، والحد من البطالة والهشاشة، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب، بما يعزز الثقة في المستقبل ويحد من تكرار مثل هذه المآسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.