سوق المحروقات يعرف فوضى كبيرة

0

شهد سوق المحروقات بالمغرب موجة جديدة من الارتفاعات مع بداية شهر غشت، في تطور يعيد إلى الواجهة الجدل حول سياسة تحرير الأسعار، ويضاعف من مخاوف الأسر المغربية التي تواجه منذ سنوات ارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة. فمع كل زيادة جديدة في أسعار الغازوال والبنزين، تتسع دائرة المتضررين، ليس فقط من مستعملي السيارات، بل من مختلف فئات المجتمع، بالنظر إلى الانعكاسات المباشرة للمحروقات على النقل وأسعار السلع والخدمات والإنتاج.

وتأتي هذه الزيادات في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على أسعار النفط والمنتجات البترولية في الأسواق العالمية. فقد ارتفع متوسط أسعار المحروقات خلال النصف الثاني من شهر يوليوز بشكل ملحوظ، كما سجل سعر برميل النفط زيادة مهمة، الأمر الذي يتوقع أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأسعار المعتمدة بمحطات الوقود في المغرب خلال الأيام المقبلة.

غير أن ما يثير استياء المغاربة، بحسب متابعين، ليس فقط ارتباط الأسعار الوطنية بتقلبات السوق الدولية، وإنما استمرار غياب آليات فعالة تحد من آثار هذه الزيادات على القدرة الشرائية، في ظل سوق محررة تترك تحديد الأسعار لشركات التوزيع. ويرى كثيرون أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف، إذ يتحمل بشكل مباشر تكلفة الأزمات الدولية وتقلبات الأسواق، دون أن يستفيد في المقابل من أي إجراءات تخفف من وقع هذه الزيادات أو تضمن توازنا بين مصالح المستثمرين وحماية المستهلك.

وفي الوقت الذي تتزامن فيه هذه الارتفاعات مع موسم الصيف، حيث يزداد الإقبال على التنقل والأسفار وتعرف الأنشطة التجارية والسياحية انتعاشا نسبيا، فإن أي زيادة جديدة في أسعار المحروقات تعني ارتفاعا إضافيا في مصاريف الأسر، وتزيد من الضغوط التي تعيشها فئات واسعة من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود والمتوسط، الذين أصبحوا يواجهون صعوبات متزايدة في التوفيق بين مداخيلهم ومتطلبات الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، اعتبر الحسين اليماني، رئيس جبهة إنقاذ سامير، أن السعر المفترض للغازوال، وفق آلية التسعير التي كانت معتمدة قبل تحرير القطاع، يتجاوز 14.20 درهما للتر، مؤكدا أن استمرار العمل بنظام الأسعار المحررة قد يجعل السعر النهائي يفوق هذا المستوى.

ويرى اليماني أن وصول أسعار المحروقات إلى مستويات تتجاوز 14 درهما للتر لا ينسجم مع واقع القدرة الشرائية للمغاربة، ولا يخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظرفية تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على الأسر والمقاولات.

وأضاف أن التجربة الحالية، حسب تقديره، أظهرت أن تحرير أسعار المحروقات لم يحقق الأهداف التي رافقت اعتماده، والمتمثلة في توجيه الدعم إلى مستحقيه، بل فتح المجال أمام تحقيق أرباح كبيرة من طرف الفاعلين في القطاع، في وقت ظل فيه المواطن يتحمل العبء الأكبر لارتفاع الأسعار.

وأكد أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يمر عبر توفير شروط العدالة في توزيع ثمار التنمية، مشددا على أن معالجة إشكالية المحروقات تتطلب إصلاحات هيكلية تتجاوز الحلول الظرفية، بالنظر إلى تأثير أسعار الوقود على مختلف القطاعات الاقتصادية وعلى الحياة اليومية للمواطنين.

وجدد اليماني دعوته إلى مراجعة سياسة تحرير أسعار المحروقات، والعمل على تخفيض الضرائب المفروضة على هذه المواد، إلى جانب إعادة تشغيل مصفاة المحمدية لتعزيز قدرات التكرير الوطنية، والرفع من المخزون الاستراتيجي للمحروقات، بما يساهم في تقوية الأمن الطاقي للمملكة. كما دعا إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم لقطاع الطاقة، وتسريع وتيرة الانتقال نحو الطاقات المتجددة، بما يعزز السيادة الطاقية ويقلص من التبعية للأسواق الخارجية.

وفي ظل استمرار التقلبات الدولية، يبقى المواطن المغربي أكثر المتضررين من ارتفاع أسعار الوقود، إذ يدفع بشكل مباشر فاتورة الأزمات الخارجية واختلالات السوق الداخلية. وبين مطالب بإعادة النظر في سياسة التحرير، ودعوات إلى تدخل حكومي أكثر فعالية لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية، يظل ملف المحروقات واحدا من أكثر الملفات الاجتماعية والاقتصادية حساسية، بالنظر إلى تأثيره المباشر على معيش المواطنين وعلى كلفة التنمية والاستثمار بالمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.