الحكومة تفشل في مناخ الأعمال بتصنيف دولي 106عالميا

0

كشف مؤشر “رومافي” العالمي للانتقال والإقامة لسنة 2026 عن صورة متباينة لجاذبية المغرب، بعدما وضع المملكة في المرتبة 106 عالميا من أصل 192 دولة وإقليما، وهو ترتيب يعكس، بحسب معطيات التقرير، استمرار الاختلالات التي تعيق بناء مناخ اقتصادي قادر على استقطاب المستثمرين ورواد الأعمال، رغم توفر عدد من المؤهلات المرتبطة بانخفاض تكاليف المعيشة والسكن.

ويأتي هذا التصنيف في وقت تواصل فيه الحكومة التأكيد على نجاحها في تحسين مناخ الاستثمار واستقطاب الرساميل الأجنبية، غير أن المؤشرات الدولية تعكس واقعا مختلفا، إذ تعتبر أن العقبة الأساسية أمام تقدم المغرب لا ترتبط بغلاء المعيشة أو صعوبة الولوج إلى العقار، وإنما بضعف بيئة الأعمال، وبطء تطور منظومة المقاولات الناشئة، واستمرار العراقيل التي تواجه حاملي المشاريع.

ومنح التقرير المغرب 60.1 نقطة فقط، ليضعه ضمن الدول ذات الجاذبية المتوسطة، لكنه كشف عن تفاوت كبير بين مختلف الفئات الراغبة في الانتقال إلى المملكة. فالمغرب يبدو أكثر جاذبية للمتقاعدين والعاملين عن بعد بفضل انخفاض تكاليف الحياة، بينما يفقد الكثير من نقاطه عندما يتعلق الأمر برواد الأعمال والمستثمرين الباحثين عن بيئة اقتصادية تنافسية.

وتبرز الأرقام حجم هذا التناقض، إذ احتل المغرب المرتبة 85 كوجهة للمتقاعدين، والمرتبة 87 بالنسبة للعاملين عن بعد، لكنه تراجع إلى المرتبة 121 بالنسبة لرواد الأعمال، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على توفير بيئة محفزة لإطلاق المشاريع وتطويرها.

ويعتبر مؤشر فرص الأعمال الحلقة الأضعف في أداء المغرب، بعدما لم يحصل سوى على 16 نقطة من أصل 100، وهي من أدنى النتائج المسجلة في مختلف المؤشرات التي اعتمدها التقرير. كما لم تتجاوز منظومة الشركات الناشئة 35.4 نقطة، ما يؤكد أن بيئة الابتكار وريادة الأعمال ما تزال تواجه تحديات كبيرة، سواء على مستوى التمويل أو المواكبة أو تبسيط المساطر أو تحسين مناخ المنافسة.

ويرى متابعون أن هذه النتائج تعكس استمرار عدد من الإشكالات التي يشتكي منها المستثمرون، من بينها تعقيد الإجراءات الإدارية، وصعوبة الولوج إلى التمويل بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وضعف مواكبة المشاريع الناشئة، فضلا عن استمرار البطء في تنزيل عدد من الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنت عنها الحكومة خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، سجل المغرب نتائج مرتفعة في مؤشرات القدرة على تحمل تكاليف المعيشة والسكن، إذ تجاوزت نقاطه 90 من أصل 100 في كلا المؤشرين، كما حقق 80 نقطة في حقوق تملك العقارات بالنسبة للأجانب، وهو ما يؤكد أن تكلفة العيش ليست هي المشكلة الأساسية، بل إن الإشكال الحقيقي يكمن في خلق فرص اقتصادية حقيقية تسمح للمستثمرين بتحقيق النمو والاستقرار.

كما أظهر التقرير أن جودة الرعاية الصحية، والبنية التحتية الرقمية، وسيادة القانون، والاستقرار السياسي، لا تزال تحتاج إلى مزيد من التطوير حتى تصبح المملكة أكثر قدرة على منافسة الوجهات الدولية التي نجحت في استقطاب المستثمرين والكفاءات العالمية.

وتطرح هذه النتائج أسئلة جديدة حول مدى نجاعة السياسات الحكومية الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال، خاصة وأن المغرب يستعد لاستحقاقات اقتصادية ورياضية كبرى خلال السنوات المقبلة، ويطمح إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وخلق فرص شغل جديدة. غير أن المؤشرات الدولية تؤكد أن تحسين البنية التحتية وحده لا يكفي، إذا لم يواكبه إصلاح فعلي للإدارة، وتبسيط للمساطر، وتعزيز للشفافية، وتسريع لوتيرة الإصلاحات الاقتصادية.

وعلى المستوى الدولي، تصدرت إستونيا التصنيف العالمي، متبوعة بسنغافورة وماليزيا والبرتغال وتايوان، بعدما نجحت هذه الدول في تحقيق توازن بين جودة الحياة، وسهولة ممارسة الأعمال، والاستقرار، والحوكمة، وهي عناصر أصبحت اليوم محددا أساسيا في قرارات المستثمرين ورواد الأعمال والأسر الراغبة في الانتقال والإقامة.

أما في ذيل الترتيب، فقد جاءت أفغانستان واليمن وجنوب السودان والنيجر وتشاد، وهي دول تعاني من أزمات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة، في حين ظل المغرب ضمن الفئة المتوسطة، لكنه بعيد عن المراتب التي تعكس بيئة أعمال تنافسية قادرة على استقطاب المشاريع والاستثمارات الكبرى.

ويؤكد هذا المؤشر الدولي أن الرهان الحقيقي أمام الحكومة لم يعد يقتصر على تحسين مؤشرات النمو أو الإعلان عن برامج استثمارية جديدة، بل أصبح مرتبطا بقدرتها على بناء مناخ أعمال أكثر تنافسية، يزيل العقبات أمام المستثمرين، ويشجع المبادرة الخاصة، ويمنح المقاولات الناشئة فرصا حقيقية للنمو، حتى يتمكن المغرب من الارتقاء في المؤشرات الدولية والتحول إلى وجهة اقتصادية أكثر جاذبية خلال السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.