مذكرة أخنوش لمالية 2027 تفجر جدل دستوري حول إعداد قانون المالية قبل الانتخابات
أعادت المذكرة التوجيهية المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الصادرة في سياق يسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، فتح نقاش واسع حول حدود إلزاميتها، ومدى قدرة الحكومة الحالية على تحديد اختيارات مالية قد تجد الحكومة المقبلة نفسها أمامها، في وقت تفرض فيه استمرارية الدولة والمرافق العمومية مواصلة المسار العادي لإعداد الميزانية.
ويطرح توقيت إصدار المذكرة تساؤلات حول طبيعة التوجيهات التي تتضمنها، وما إذا كانت تندرج فقط ضمن الإجراءات الإدارية الضرورية لإعداد مشروع قانون المالية، أم أنها قد تتحول إلى اختيارات سياسية ومالية يصعب على الحكومة المقبلة تعديلها.
ومن حيث المبدأ، يندرج إعداد مشروع قانون المالية قبل موعد الانتخابات ضمن المسار الطبيعي للدورة الميزانياتية، إذ لا يمكن للدولة تعليق إعداد ميزانيتها أو تعطيل عمل الإدارات والمرافق العمومية في انتظار نتائج الاستحقاقات الانتخابية. كما أن إعداد المشروع يمر عبر آجال ومساطر محددة تفرض على القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية تقديم مقترحاتها في وقت مبكر.
غير أن الإشكال يبدأ عندما تتجاوز التوجيهات طبيعتها الإدارية لتتحول إلى قرارات سياسية نهائية، خصوصاً أن الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة قد تكون أمام أولويات اقتصادية واجتماعية مختلفة، وقد ترغب في إعادة ترتيب النفقات العمومية أو تعديل بعض الإجراءات الجبائية والاستثمارية.
وتتميز المذكرة التوجيهية بكونها تؤطر عمل القطاعات الحكومية خلال مرحلة إعداد المقترحات، لكنها لا ترقى في حد ذاتها إلى مستوى قانون المالية المصادق عليه، ولا يمكن اعتبارها برنامجاً حكومياً ملزماً للحكومة المقبلة. فمشروع قانون المالية لا يكتسب قوته القانونية إلا بعد استكمال مختلف المراحل الدستورية والتشريعية، بما في ذلك التداول الحكومي والوزاري، ثم إحالته على البرلمان ومناقشته والتصويت عليه.
وتبقى هناك، في المقابل، مجموعة من الالتزامات التي لا ترتبط بتغير الحكومة، وتفرض استمرار الدولة في الوفاء بها، من قبيل خدمة الدين العمومي، وأجور الموظفين، والالتزامات التعاقدية والقانونية، والمشاريع التي دخلت حيز التنفيذ، والحقوق الاجتماعية المقررة بموجب قوانين سابقة، إضافة إلى الأوراش الاستراتيجية التي تمتد على عدة سنوات.
ويفرض هذا الواقع التمييز بين الثوابت المالية والاقتصادية التي لا يمكن لأي حكومة تجاهلها، وبين الاختيارات السياسية التي تظل قابلة للمراجعة. فالتوازنات الماكرو اقتصادية، واستمرارية المرافق العمومية، والالتزامات القانونية، تختلف عن طريقة توزيع الاعتمادات، وأولويات الاستثمار، وسياسات التشغيل، وبعض التدابير الجبائية والاجتماعية.
ولا يقتصر النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2027 على الجانب السياسي والاقتصادي، بل يمتد إلى الجانب الدستوري والإجرائي، خصوصاً ما يتعلق بالمسطرة التي ينبغي اتباعها عند تحديد التوجهات العامة لمشروع قانون المالية.
وتنص المقتضيات الدستورية والتنظيمية على مسار محدد لإعداد المشروع، في إطار توزيع الاختصاصات بين مختلف المؤسسات الدستورية، بما يضمن التداول بشأن التوجهات العامة للميزانية قبل الانتقال إلى مراحل الإعداد التفصيلي.
ويثير استمرار بعض الممارسات الإدارية في هذا المجال نقاشاً حول مدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية التي دخلت حيز التطبيق بعد دستور 2011 والقانون التنظيمي الجديد لقانون المالية. ويذهب منتقدو هذه الممارسة إلى أن تحديد بعض الأولويات والتوجهات قبل استكمال المسطرة الدستورية قد يخلق فجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بإجراءات ذات أثر مالي أو جبائي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحقوق والتزامات المواطنين والمقاولات، وما يترتب عنها من آثار على التوازنات المالية للدولة.
وفي المقابل، تظل الحكومة الحالية مطالبة بمواصلة الإعداد لمشروع قانون المالية، لأن توقف المسار الميزانياتي قد تكون له انعكاسات مباشرة على سير المرافق العمومية وانتظام النفقات والالتزامات المالية للدولة.
وبين ضرورة احترام الآجال القانونية لإعداد الميزانية، وبين ضرورة عدم تقييد الحكومة المقبلة باختيارات سياسية لم تحددها، يبرز التحدي الأساسي في إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027.
فالمطلوب هو ضمان استمرارية الدولة والانضباط المالي، دون أن يتحول الإعداد المبكر للميزانية إلى وسيلة لحسم الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة المقبلة. كما أن احترام المساطر الدستورية يظل شرطاً أساسياً لضمان سلامة العملية التشريعية والمالية.
وبذلك، فإن مذكرة إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 تبدو أقرب إلى أرضية إدارية ضرورية لضمان استمرار العمل الحكومي، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين التدبير الإداري والاستمرارية المؤسساتية من جهة، والاختيار السياسي الذي يفترض أن تملكه الحكومة المنبثقة عن الانتخابات من جهة أخرى.