ترانسبارانسي تطالب الأحزاب بكشف موقفها من الإثراء غير المشروع

0

 

عادت قضايا النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما وجهت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي” مراسلات إلى الأمناء العامين للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، مطالبة إياهم بالكشف بشكل واضح وصريح عن مواقف أحزابهم من ثلاث قضايا تعتبرها الجمعية أساسية في مسار تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتسعى الجمعية، من خلال هذه المبادرة، إلى وضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولياتها السياسية والتشريعية، خصوصا في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وذلك عبر مطالبتها بتقديم أجوبة دقيقة بشأن الإثراء غير المشروع، وتنازع المصالح، والقيود التي ترى “ترانسبرانسي” أنها أصبحت تطال عمل النيابة العامة والمجتمع المدني في مجال مكافحة الفساد وحماية المال العام.

وتضمن خطاب الجمعية ثلاثة أسئلة رئيسية، اعتبرت أنها تهم قضايا جوهرية في منظومة مكافحة الرشوة والفساد، وتحتاج إلى مواقف سياسية واضحة، بعيدا عن العموميات والشعارات الانتخابية.

وفي مقدمة هذه القضايا، طرحت الجمعية مسألة مراجعة المقتضيات الجديدة للمادتين 3 و7 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، متسائلة عما إذا كانت الأحزاب ستبادر إلى اتخاذ إجراءات لتعديل هذه المقتضيات، وما هو الأجل الذي يمكن أن تلتزم به لتنفيذ ذلك في حال تبنيها لهذا الخيار.

وترى “ترانسبرانسي” أن بعض المقتضيات الجديدة من شأنها الحد من صلاحيات النيابة العامة في تحريك المتابعات المرتبطة بقضايا المال العام، فضلا عن تقليص بعض آليات تدخل المجتمع المدني ومساهمته في مكافحة الفساد، وهو ما دفع الجمعية إلى مطالبة الأحزاب بموقف صريح ومسؤول من هذه القضية.

ولا تكتفي الجمعية بطرح الإشكال، بل تطالب الفاعلين السياسيين بتحديد التزاماتهم بشكل زمني، حتى يتمكن المواطنون من معرفة ما إذا كانت المواقف المعلنة خلال المرحلة الانتخابية ستتحول إلى مبادرات تشريعية فعلية بعد تشكيل المؤسسات المنتخبة.

أما القضية الثانية التي وضعتها الجمعية على طاولة الأحزاب، فتتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، وهو ملف ظل لسنوات حاضرا في النقاش المتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز آليات التصريح بالممتلكات. وفي هذا السياق، طلبت “ترانسبرانسي” من الأحزاب تحديد موقفها من تجريم الإثراء غير المشروع، بالاستناد إلى نظام التصريح الإجباري بالممتلكات.

كما دعت الجمعية الأحزاب المؤيدة لهذا التوجه إلى توضيح الكيفية التي ستسعى من خلالها إلى إدراج هذا التجريم ضمن مجموعة القانون الجنائي، أو إقراره في إطار قانون خاص، فضلا عن تحديد الأجل الذي يمكن أن تلتزم به لتنزيل هذا المقتضى.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بمبدأ الوقاية من تضارب غير المبرر بين الثروة والمداخيل المعلنة للمسؤولين، وبمدى فعالية منظومة التصريح بالممتلكات في الكشف عن حالات الإثراء التي لا تجد تفسيرا واضحا في الموارد المشروعة.

وفي السؤال الثالث، انتقلت “ترانسبرانسي” إلى قضية تنازع المصالح، مطالبة الأحزاب بالكشف عن الآليات التشريعية والتنظيمية التي تعتزم اقتراحها أو الدفاع عنها من أجل تأطير حالات تضارب المصالح والوقاية من الممارسات التي قد تفتح المجال أمام الانحرافات واستغلال المسؤولية لتحقيق منافع خاصة.

وتعتبر الجمعية أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تظل رهينة التصريحات العامة، بل تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات عملية تضمن الوقاية والمراقبة والمساءلة، خصوصا في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح الخاصة مع ممارسة المسؤوليات العمومية.

وتأتي مبادرة “ترانسبرانسي” في سياق سياسي يتميز بالاستعداد للانتخابات التشريعية، حيث تكتسي مواقف الأحزاب من قضايا الحكامة ومحاربة الفساد أهمية خاصة بالنسبة للناخبين، الذين لا يقتصر اهتمامهم على البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يشمل أيضا مدى استعداد الفاعلين السياسيين لتعزيز النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأكدت الجمعية أنها ستعمل على نشر أجوبة الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية، بما يتيح للرأي العام الوطني الاطلاع على مواقفها بشأن هذه الملفات، ويفتح المجال أمام نقاش عمومي حول الالتزامات السياسية والتشريعية المرتبطة بمحاربة الرشوة والفساد.

وترى “ترانسبرانسي” أن نشر هذه المواقف يمكن أن يساعد المواطنين على تقييم البرامج الانتخابية على أساس وضوح الالتزامات ومدى قابليتها للتنفيذ، كما يمكن أن يساهم في تحويل قضايا النزاهة والشفافية إلى عناصر أساسية في الاختيار الانتخابي.

وتأمل الجمعية، من خلال هذه المبادرة، في فتح نقاش مدني أوسع حول حماية المال العام وتعزيز دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، إلى جانب الدفع نحو تطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل محاربة الرشوة جزءا فعليا من الممارسة السياسية والتشريعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.