التجمع الوطني للأحرار يتهم البام بخطف مرشحيه وهذا الأخير يرد
فجر الصراع المتصاعد بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مواجهة سياسية غير مسبوقة، بعدما انتقلت المنافسة بين قطبي الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها من تدبير الشأن الحكومي إلى حرب مفتوحة حول المرشحين والمنتخبين ومواقع النفوذ، وذلك على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل.
وبينما يتهم قياديون في حزب الأحرار منافسيهم في الأصالة والمعاصرة باستعمال أساليب «الترهيب والترغيب» لاستقطاب مرشحين ومنتخبين وخوض الانتخابات بألوان «البام»، رد الأخير بلهجة حادة، رافضاً ما وصفه بـ«الادعاءات الباطلة»، ومؤكداً أن أبوابه مفتوحة أمام كل من يختار الانضمام إليه بحرية واستقلالية.
وتعود شرارة التصعيد الأخيرة إلى تسجيل صوتي مسرب من اجتماع لحزب التجمع الوطني للأحرار، نسب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للحزب، تحدث فيه عن ظاهرة التنقل السياسي واستقطاب المرشحين، في إشارة إلى التحاق عدد من الوجوه السياسية بحزب الأصالة والمعاصرة، ومن بينهم فوزي لقجع.
ووجه الطالبي العلمي انتقادات شديدة لما اعتبره ممارسات تقوم على «الترهيب والترغيب» بهدف دفع مرشحين إلى تغيير انتماءاتهم السياسية، محذراً من أن تتحول الحياة الحزبية إلى ما يشبه سوقاً لاستقطاب اللاعبين، بدل أن تكون فضاءً للتنافس حول البرامج والأفكار والمشاريع السياسية.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الاستقطاب الانتخابي، إذ حمل التسجيل انتقادات سياسية مباشرة لطريقة تدبير المرحلة الانتخابية، مع تحذير من أن السعي وراء المقاعد والمناصب الحكومية قد يدفع الأحزاب إلى التخلي عن المبادئ والقواعد التي يفترض أن تؤطر العمل السياسي.
واعتبر الطالبي العلمي أن ظاهرة الترحال السياسي ليست جديدة، مستحضراً معطيات سابقة تحدثت عن عشرات الحالات داخل مجلس النواب، قبل أن تتحول الظاهرة إلى موضوع نقاش سياسي وقانوني ودستوري. واعتبر أن التراجع عن مواجهة هذه الممارسات يضعف الأحزاب والمؤسسات ويعمق أزمة الثقة في العمل السياسي.
كما انتقد ما وصفه بتحويل الفصل 47 من الدستور إلى ما يشبه «ميدالية ذهبية» يتنافس عليها السياسيون، في إشارة إلى السباق نحو رئاسة الحكومة والمناصب الوزارية، معتبراً أن المناصب ينبغي أن تكون نتيجة للمواقف السياسية والثقة الشعبية، لا هدفاً يسبق نتائج صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، لم يتأخر رد حزب الأصالة والمعاصرة، الذي عبر مكتبه السياسي عن استهجانه الشديد لإقحام اسمه في بيان حزب الأحرار وتوجيه اتهامات مباشرة إليه بشأن استمالة منتخبين وترشيحهم باسمه، أو إخضاعهم للضغط والإكراه.
وأكد «البام» أنه لم يُكره، ولا يمكن أن يُكره، أي مواطن على الانتماء إليه، مشدداً على أن حرية الاختيار والانتماء السياسي مبدأ أساسي لا يمكن المساس به. وقال إن الحزب يعتمد الحوار والإقناع لاستقطاب الطاقات والكفاءات التي تقتنع بمشروعه السياسي، بعيداً عن أي ضغط أو إكراه.
واختار الحزب، في رده، فتح ملف الاستقطابات التي عرفتها الانتخابات التشريعية لسنة 2021، مذكراً بأن حزب التجمع الوطني للأحرار سبق أن رشح أكثر من 17 برلمانياً كانوا ينتمون سابقاً إلى خمسة أحزاب سياسية، من بينهم ستة برلمانيين كانوا ينتمون إلى الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن عشرات المنتخبين في مجالس الجماعات الترابية ومجلس المستشارين.
ومن خلال هذه الإشارة، يبدو أن «البام» يريد نقل المعركة من مجرد سجال حول استقطاب المرشحين إلى نقاش أوسع حول ازدواجية المعايير في التعامل مع ظاهرة الانتقال السياسي، متسائلاً ضمناً عن الحدود الفاصلة بين الاستقطاب المشروع وبين ما يمكن اعتباره ترحالاً سياسياً أو توظيفاً للنفوذ الانتخابي.
وفي خضم هذا الصراع، دخلت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فدرالية اليسار الديمقراطي، على خط الجدل، منتقدة ما اعتبرته انتقالاً مبكراً من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة توزيع المناصب الحكومية.
وقالت التامني إن الانتخابات «لم تمر بعد» بينما يبدو، في نظرها، أن الحكومة والوزارات «وُزعت تقريباً»، معتبرة أن التنافس بين الأحرار والبام لم يعد يقتصر على من سيترشح ومن سيفوز، بل أصبح يدور حول من سيستقطب من، ومن سيحصل على ماذا، ومن سيتولى أي منصب.
وتحمل هذه الانتقادات دلالة سياسية أوسع، لأنها تضع الحرب الدائرة بين الحزبين في مواجهة مباشرة مع انتظارات الناخبين، خصوصاً في ظل تنامي الخطاب الذي يطالب الأحزاب بالتركيز على البرامج والرهانات الاجتماعية والاقتصادية بدل الدخول مبكراً في حسابات المقاعد والمناصب.
ويكشف التصعيد الحالي عن مفارقة لافتة داخل الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، إذ تحول حليفان أساسيان في تدبير الحكومة إلى منافسين شرسين عشية الاستحقاق الانتخابي. فبعد سنوات من الاشتغال المشترك داخل الأغلبية، أصبحت الدوائر الانتخابية وساحات استقطاب المنتخبين والمرشحين مسرحاً لمواجهة سياسية مفتوحة.
ويبدو أن «حرب المرشحين» قد تكون واحدة من أبرز عناوين الانتخابات المقبلة، خصوصاً مع سعي الأحزاب الكبرى إلى تعزيز مواقعها الانتخابية عبر استقطاب الأعيان والمنتخبين والوجوه المعروفة محلياً. غير أن استمرار هذا الصراع قد يفتح في المقابل نقاشاً أعمق حول مستقبل الأحزاب، وحدود الانتقال السياسي، ومدى قدرة القوانين على ضبط العلاقة بين الانتماء الحزبي والترشح الانتخابي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، لا يبدو أن حرب التصريحات بين الأحرار والبام ستتوقف عند هذا الحد. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره المدافع عن قواعد العمل السياسي، بينما يحاول الطرف الآخر كشف ما يعتبره تناقضات في خطاب منافسه وممارساته السابقة.
وبين الاتهام بالترهيب والترغيب، والرد بالحديث عن حرية الاختيار، واستحضار سوابق الاستقطاب السياسي، تضع هذه المواجهة الأغلبية الحكومية أمام اختبار حقيقي هل تستطيع أحزابها الانتقال من منطق المنافسة على المرشحين والمقاعد إلى منافسة انتخابية قائمة على البرامج والمشاريع. أم أن الانتخابات المقبلة ستتحول إلى معركة نفوذ مفتوحة، يكون فيها «اختطاف المرشحين» عنواناً لحرب سياسية أكبر بين حليفين سابقين، يسعيان الآن كل على حدة إلى تصدر المشهد الانتخابي.