37 برلمانيا يغيرون لونهم الحزبي قبيل الانتخابات
مجلة نادي الصحافة
تحولت الساحة السياسية إلى ما يشبه “ميركاتو انتخابي” مفتوح، حيث تتسارع عمليات تغيير الانتماءات الحزبية، وتقديم الاستقالات والبحث عن تزكيات جديدة في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول معنى الالتزام الحزبي، وقيمة التفويض الانتخابي وحدود المسؤولية السياسية تجاه الناخبين.
وتتداول الأوساط السياسية والإعلامية رقما يقارب 37 برلمانيا ارتبطت أسماؤهم بمغادرة أحزابهم أو إعادة التموضع استعدادا للاستحقاقات المقبلة، غير أن التدقيق في قرارات المحكمة الدستورية المنشورة إلى غاية 27 غشت يقتضي التمييز بين الاستقالة من الحزب والاستقالة من البرلمان. فالمحكمة الدستورية أعلنت، في آخر سلسلة من قراراتها، شغور 15 مقعدا، منها 14 بمجلس النواب ومقعد واحد بمجلس المستشارين، بينما ترتبط بعض الحالات الأخرى بمغادرة الحزب أو الانتقال السياسي دون أن تكون بالضرورة قد انتهت بعد إلى شغور مقعد برلماني.
والأسماء التي ثبتت في قرارات المحكمة الدستورية الأخيرة ليست مجرد أرقام، بل منتخبون حملوا صفة البرلمان باسم أحزاب معينة، قبل أن يقرر عدد منهم مغادرة المؤسسة التشريعية نفسها استعدادا لخوض الانتخابات المقبلة بألوان سياسية أخرى. ويتعلق الأمر بمحمد بنعطية، ورحو الهيلع، والمصطفى القاسمي، وطارق قديري، والحسين بوحسيني، ومحمادي توحتوح، وسيدي صالح الإدريسي، وعبد الفتاح عمار، ونظير رضوان، وعبد الفتاح أهل المكي، وسعيدة زهير، ومحمد الزموري، وعبد العزيز الوادكي، إضافة إلى عبد الكريم أمين الذي جُرد من صفته البرلمانية بسبب تخليه عن الحزب الذي ترشح باسمه. أما في مجلس المستشارين، فقد تعلق الشغور بسيدي صلوح الجماني.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى كيف يمكن لمواطن أن يمنح صوته لمرشح باسم حزب وبرنامج وتوجه سياسي، ثم يجد هذا المنتخب نفسه، قبل نهاية الولاية، يغادر الحزب أو المؤسسة بحثا عن موقع انتخابي أكثر ملاءمة، وهل المقعد ملك للنائب أم هو تفويض مؤقت من الناخبين، وإذا كان الدستور والقانون قد وضعا قيودا على الترحال السياسي، فإن الواقع الانتخابي يكشف أن معركة التزكيات قادرة على إعادة إنتاج الظاهرة في صورة أخرى.
و جاء في المعطيات، ان المحكمة الدستورية لم تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها مجرد استقالات إدارية، بل طبقت مسطرة قانونية واضحة. فالفصل 61 من الدستور ينص على تجريد كل عضو في أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، مع تصريح المحكمة بشغور المقعد بناء على إحالة رئيس المجلس المعني.
وفي قرارها رقم 281/26 الصادر في 19 غشت، جسدت المحكمة هذا المبدأ في حالة عبد الكريم أمين، بعدما ثبت تخليه عن الحزب الذي انتخب باسمه، وأكد بنفسه استقالته النهائية، لتقرر المحكمة تجريده من العضوية والتصريح بشغور مقعده.
كما استندت المحكمة في حالات الاستقالة من عضوية البرلمان إلى المادة 90 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، وإلى المقتضيات التنظيمية التي تفرض إحالة الاستقالات، خصوصا تلك المقدمة بعد اختتام الدورة التشريعية، إلى المحكمة الدستورية للتصريح بشغور المقاعد. وقد أنهت الدورة الثانية للسنة التشريعية أشغالها في 13 يوليوز 2026، قبل أن تتوالى الاستقالات خلال غشت.
و اوضحت المعطيات، أن القانون وحده لا يستطيع معالجة أزمة أعمق: أزمة السياسة حين يصبح المقعد هدفا في حد ذاته. فحين يغادر البرلماني حزبه بحثا عن تزكية لدى حزب آخر، وحين تستقبل بعض الأحزاب أسماء منتخبة جاهزة بدل الاستثمار في المناضلين والكفاءات، فإن العملية الانتخابية تخاطر بالتحول من تنافس البرامج إلى سوق للمقاعد والأسماء والنفوذ.
وشدد متتبعون على المشكلة ليست في حق أي سياسي في تغيير قناعته أو مراجعة اختياراته؛ فهذا حق سياسي مشروع متى احترم القانون. المشكلة تبدأ عندما يصبح تغيير القناعة السياسية مرتبطا حصرا بحسابات التزكية والنجاح الانتخابي، وعندما يتحول الحزب من فضاء للأفكار والبرامج إلى مجرد بوابة للترشح.
و نبه متتبعون الى ان صورة البرلمان وهو يفقد مقاعده تباعا قبيل الانتخابات لا تساعد على ترميم الثقة السياسية. فالناخب الذي تابع نائبه خلال خمس سنوات لا يريد أن يشعر بأن صوته كان مجرد تذكرة عبور إلى البرلمان، وأن المنتخب يستطيع بعد ذلك البحث عن «حزب أفضل» من أجل ضمان مقعد جديد.
وقال متتبعون، لذلك فإن مشهد الاستقالات المتتالية يجب ألا يقرأ فقط باعتباره «ميركاتو انتخابيا»، بل باعتباره إنذارا سياسيا يحتاج إلى نقاش عميق حول أخلاقيات الترشح، ومسؤولية الأحزاب، وقيمة التفويض الشعبي، وربط التزكية بالكفاءة والالتزام لا بالقدرة على جلب الأصوات.
و اعتبر متتبعون، ان البرلمان ليس فندقا سياسيا يغادره النائب متى تغيرت ظروف الإقامة، وليس المقعد ملكية شخصية تنتقل مع صاحبه من حزب إلى آخر. إنه مؤسسة دستورية يفترض أن تعكس إرادة المواطنين. وعندما تتكاثر الاستقالات قبيل الانتخابات، يصبح السؤال المشروع: هل نحن أمام إعادة تشكيل للخريطة السياسية، أم أمام سباق محموم على المقاعد يكشف، أكثر من أي وقت مضى، جشع بعض السياسيين للبقاء داخل البرلمان بأي لون حزبي؟
وشدد متتبعون على انه يبقى الناخب هو الحكم. فإذا كانت الأحزاب تتبادل المرشحين، فإن المواطن يستطيع أن يعيد ترتيب الحسابات، وأن يسأل كل مرشح: لماذا غادرت حزبك؟ ولماذا اخترت الحزب الجديد؟ وهل تغيرت قناعاتك فعلا، أم تغير فقط الطريق المؤدي إلى المقعد.