تدهور التربة بالمغرب يهدد الحياة الزراعية
حذر تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» من تصاعد الضغوط التي تواجه موارد التربة في المغرب، في ظل تداخل عوامل التعرية والجفاف والتملح وتراجع المادة العضوية والتنوع البيولوجي، بالتزامن مع توسع المساحات الزراعية والمجهزة للري. ويضع التقرير المغرب ضمن الدول الأكثر تعرضاً في منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا لمخاطر انجراف التربة، خصوصاً بفعل الرياح والمياه.
ويأتي ذلك ضمن تقرير «حالة موارد التربة في العالم 2026»، الذي يقع في نحو 850 صفحة، وأعد بمساهمة أكثر من 290 خبيراً من 75 دولة، ويرصد تطور ممارسات إدارة التربة خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2024. ويؤكد التقرير أن المنطقة التي ينتمي إليها المغرب تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً للقيود المرتبطة بالأرض والمياه، في وقت يتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى مزيد من الحرارة والجفاف والتصحر والتملح.
وتشير معطيات التقرير إلى أن أكثر من 43 في المائة من مساحة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا عبارة عن صحراء، فيما تشكل المناطق الجافة وشبه الجافة نحو 40 في المائة إضافية، ولا تتجاوز المناطق التي تستقبل أكثر من 300 ملم من الأمطار سنوياً 17 في المائة من مساحة المنطقة، وهي التي تتركز فيها نسبة مهمة من الأنشطة الزراعية والإنتاج الغذائي.
وبالنسبة إلى المغرب، تكشف المعطيات عن تعرض عدد من المناطق لمستويات مرتفعة من التعرية المائية والريحية. ويشير التقرير إلى أن إنتاج الرواسب السنوي يتراوح بين 100 و4620 طناً في الساعة في 38 حوضاً مائياً، استناداً إلى دراسة منشورة سنة 2014، كما يسجل شدة التعرية المائية في مناطق من الأطلس الكبير، مقابل مستويات منخفضة إلى متوسطة في الأطلس الصغير.
ولا يقتصر الخطر على المياه، إذ يصنف المغرب، إلى جانب الجزائر وموريتانيا والسودان، ضمن البلدان التي تسجل أعلى قيم للقابلية المناخية للتعرية بفعل الرياح. وخلال الفترة الممتدة بين 2015 و2022، كانت أجزاء واسعة من المنطقة معرضة لمخاطر مرتفعة أو مرتفعة جداً من التعرية الريحية، مع تركّز المناطق الأكثر هشاشة في المغرب والجزائر وموريتانيا والصومال.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى فقدان الطبقة السطحية الخصبة من التربة وتراجع الإنتاج الزراعي، فضلاً عن زيادة الغبار المحمول في الهواء. وترى «الفاو» أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب استعادة الغطاء النباتي والتشجير وإعادة التشجير وتحسين إدارة المياه وتطبيق قواعد أكثر صرامة لاستعمال الأراضي، إلى جانب الاستفادة من الممارسات التقليدية في الحفاظ على التربة والرطوبة.
وفي الوقت نفسه، شهد المغرب توسعاً واضحاً في الأراضي الزراعية، حيث ارتفعت المساحات الزراعية بين 2015 و2022 بنحو 240 ألف هكتار، فيما زادت الأراضي المجهزة للري بنحو 160 ألف هكتار، وهي ثالث أكبر زيادة في المنطقة بعد مصر والسعودية. غير أن هذا التوسع يطرح تحديات إضافية، خصوصاً عندما لا ترافقه إدارة دقيقة للمياه والتربة.
يبرز التملح باعتباره أحد أخطر التحديات التي تواجه الأراضي الزراعية المغربية، خصوصاً في المناطق المروية. ويقدر التقرير أن ما بين 20 و30 في المائة من الأراضي المروية المتأثرة بالأملاح في شمال إفريقيا توجد في المغرب والجزائر، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 30 في المائة من المساحة المروية بالمغرب متأثرة بالملوحة، مع إمكانية وصول متوسط خسائر الغلة إلى 50 في المائة.
ويربط التقرير هذه الظاهرة بارتفاع درجات الحرارة، وتقنيات الري غير الملائمة، فضلاً عن تسرب مياه البحر في المناطق الساحلية. وفي المقابل، يسجل أن مساحة الأراضي المالحة في المغرب شهدت، خلال الفترة بين 1980 و2018، انخفاضاً سنوياً قدره 0.39 في المائة، وهو مؤشر إيجابي يضع المملكة ضمن عدد محدود من بلدان المنطقة التي سجلت تراجعاً في الأراضي المتأثرة بالملوحة.
وفي جانب آخر، يلفت التقرير إلى تراجع المادة العضوية والكربون العضوي في عدد من الترب الزراعية، وهما عنصران أساسيان للحفاظ على الخصوبة واستقرار بنية التربة. وأظهرت دراسة بمنطقة سيدي بنور، في سهل دكالة، أن متوسط المادة العضوية بلغ 1.4 في المائة، مع تفاوت واضح بين أنواع التربة. كما خلصت دراسة أخرى إلى أن إدخال بعض التقنيات الزراعية الحديثة في سهول دكالة كانت له آثار سلبية على جودة التربة وفقدان المادة العضوية.
وفي المقابل، تقدم الزراعة من دون حرث نموذجاً أكثر استدامة، بعدما أظهرت دراسة بمنطقة الشاوية أن هذه الممارسة ساهمت في زيادة الكربون العضوي في التربة مقارنة بالحرث التقليدي.
وتحذر «الفاو» كذلك من ارتفاع مخاطر تدهور التنوع البيولوجي للتربة، خصوصاً في المناطق الساحلية الممتدة من الدار البيضاء إلى تونس، حيث تصنف التهديدات المحتملة ضمن المستوى «المرتفع جداً». ويرتبط ذلك بالتصحر وتغير المناخ وتلوث التربة والحرائق واستعمالات الأراضي.
ورغم حجم هذه التحديات، تكشف المعطيات عن محدودية انتشار الزراعة المحافظة على التربة في المغرب. فقد قدرت مساحة الأراضي الخاضعة لهذه الممارسات خلال 2018 و2019 بنحو 13 ألف هكتار فقط، مقابل 387 ألفاً و200 هكتار في كامل منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا.
وتؤكد هذه الأرقام وجود فجوة بين حجم المخاطر التي تواجه الموارد الطبيعية وبين مستوى اعتماد الممارسات الزراعية المستدامة. لذلك تدعو المنظمة إلى تعزيز استعمال الأسمدة العضوية ومخلفات الزراعة وروث الحيوانات، وتحويل المخلفات الزراعية إلى موارد نافعة، مع توسيع تقنيات الزراعة المحافظة وتحسين إدارة المياه.
ويخلص التقرير إلى أن تحدي المغرب لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج الزراعي، وإنما بقدرته على الحفاظ على الموارد التي يقوم عليها هذا الإنتاج. فالتوسع الزراعي والري، في ظل الجفاف وتغير المناخ، قد يتحول إلى مكسب قصير الأمد إذا لم تواكبه سياسات تحمي خصوبة التربة وتحد من التعرية والتملح وتحافظ على مخزون الكربون والتنوع البيولوجي. والرهان، وفق هذه المعطيات، أصبح يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الحاجة إلى إنتاج غذائي أكبر وبين حماية الأرض والمياه للأجيال المقبلة.