لم تبق سوى معاشات المتقاعدين لتوظيفها انتخابيا
عاد ملف التقاعد بقوة إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، بعدما جعلت عدد من الأحزاب السياسية من تحسين معاشات المتقاعدين وإصلاح منظومة التقاعد جزءا من برامجها ووعودها الانتخابية. وبينما قدمت قيادات حزبية أرقاما ومقترحات مختلفة بشأن الحد الأدنى للمعاشات وقيمة الزيادات، تتشبث التنظيمات النقابية والمدنية الممثلة للمتقاعدين بضرورة الانتقال من الوعود إلى إجراءات عملية، وترفض أن يتحول الملف إلى ورقة انتخابية موسمية.
وفي مقدمة الوعود التي حضرت خلال الحملة الانتخابية، أعلن فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، عن مقترح يقضي برفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم شهريا، ضمن تصور حزبي لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. كما تحدث لقجع عن تمكين الأرامل من الاستفادة من 100 في المائة من معاش أزواجهن المتوفين، في إطار ما قدمه الحزب من إجراءات لفائدة الفئات الاجتماعية.
أما نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، فقد ربط إصلاح منظومة التقاعد بمراجعة قيمة المعاشات، معتبرا أن إصلاح الصناديق وأنظمة التقاعد لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الوضعية المعيشية للمتقاعدين. كما دعا إلى اعتماد تحفيزات ضريبية لفائدة الأسر التي تتكفل بالمسنين، بما يشجع على إبقاء كبار السن داخل محيطهم العائلي.
بدوره، دخل محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، على خط الوعود المتعلقة بالمعاشات، متعهدا برفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 3400 درهم، في رقم يتجاوز مستوى 3000 درهم الذي أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة. ويضع هذا التعهد ملف معاشات المتقاعدين في صلب النقاش حول الخيارات الاجتماعية التي تقترحها الأحزاب خلال الاستحقاق الانتخابي.
كما حضر ملف التقاعد في خطاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من خلال مواقف أمينه العام إدريس لشكر، الذي جعل تحسين أوضاع المتقاعدين وإصلاح منظومة التقاعد ضمن القضايا الاجتماعية التي يطرحها الحزب في برنامجه الانتخابي. ويرتبط طرح الاتحاد الاشتراكي بضرورة مراجعة السياسات الاجتماعية وتعزيز حماية الفئات التي أنهت مسارها المهني.
ومن جهته، تحدث رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، عن التقاعد ضمن التصور الاجتماعي للحزب، في سياق الحديث عن تحسين الدخل والحماية الاجتماعية وإصلاح عدد من المنظومات الاجتماعية. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه معاشات المتقاعدين موضوعا حاضرا بقوة في الخطاب الانتخابي للأحزاب.
وهكذا، انتقل ملف التقاعد من كونه قضية تقنية مرتبطة بتوازن الصناديق واستدامتها المالية إلى أحد الملفات الاجتماعية الحاضرة في المنافسة الانتخابية، مع اختلاف واضح بين المقاربات والأرقام التي تقدمها الأحزاب. وبين رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم أو 3400 درهم، وبين الدعوة إلى مراجعة قيمة المعاشات وربطها بإصلاح شامل للمنظومة، يبقى المتقاعدون أمام وعود سياسية متعددة ينتظرون أن تتحول إلى إجراءات قابلة .
في المقابل، تتعامل فيدرالية المتقاعدين في المغرب بحذر مع هذه الوعود، مؤكدة رفضها تحويل ملف المتقاعدين إلى ورقة انتخابية عابرة، خصوصا أن عددا من المطالب ظل مطروحا خلال السنوات الماضية دون الوصول، حسب الفيدرالية، إلى معالجة تستجيب لانتظارات هذه الفئة.
وأكد رئيس فيدرالية المتقاعدين بالمغرب، مصطفى البويهي، أن المتقاعدين “عقلاء ويعرفون الواقع”، وأنه لا يمكن التعامل معهم باعتبارهم مجرد كتلة من الأصوات التي يتم استحضارها خلال الحملات الانتخابية. وأوضح أن المتقاعدين سبق أن راسلوا عددا من الأحزاب واحتجوا على وضعيتهم خلال الولاية الانتدابية الحالية، معتبرا أن الوعود الجديدة ينبغي أن تقاس بما يمكن تنفيذه فعليا.
وتضع الفيدرالية في مقدمة مطالبها إقرار زيادة عامة وفورية قدرها 2000 درهم شهريا في معاشات التقاعد، إلى جانب إلزام جميع صناديق التقاعد بألا يقل الحد الأدنى للمعاش عن 3000 درهم شهريا، باعتبار ذلك، وفق تصورها، حدا أدنى لضمان العيش الكريم.
كما تطالب بتمكين الأرملة من الاستفادة من معاش زوجها المتوفى كاملا بدل نصفه، معتبرة أن هذه المسألة ترتبط بالكرامة والعدالة الاجتماعية والاستقرار الأسري، خاصة بالنسبة إلى الأسر التي تفقد مصدر دخلها الأساسي بعد وفاة المعيل.
وترى الفيدرالية أن أهمية الانتخابات بالنسبة للمتقاعدين لا تكمن فقط في حجم الوعود التي تقدمها الأحزاب، وإنما في إمكانية مساءلة المنتخبين حول ما تعهدوا به. وفي هذا السياق، اعتبر البويهي أن الانتخابات تشكل آلية ديمقراطية لربط المسؤولية بالمحاسبة، داعيا إلى أن تكون الوعود المتعلقة بالمتقاعدين واضحة وقابلة للقياس والتنفيذ.
ويكشف اختلاف المواقف الحزبية عن وجود أكثر من مقاربة للملف؛ فهناك من يركز على تحديد حد أدنى جديد للمعاش، ومن يربط تحسين قيمة المعاش بإصلاح منظومة التقاعد، ومن يطرح إجراءات موازية تتعلق برعاية المسنين والأرامل والحماية الاجتماعية. لكن القاسم المشترك بينها هو إعادة التقاعد إلى صدارة النقاش الاجتماعي خلال فترة انتخابية حاسمة.
وبالنسبة إلى المتقاعدين، فإن السؤال الأساسي لا يرتبط فقط بالأرقام المعلنة، وإنما أيضا بمصادر تمويلها، والفئات التي ستستفيد منها، وآليات تنزيلها والجدول الزمني لتنفيذها. فالفارق بين وعد انتخابي وإجراء اجتماعي دائم يمر، في نظر الفيدرالية، عبر قرارات حكومية وتشريعات وإجراءات مالية واضحة.
وبين وعود لقجع وبركة وبنعبد الله ولشكر وأخنوش، ومطالب المتقاعدين بزيادة فعلية وتحسين الحد الأدنى للمعاش وضمان حقوق الأرامل، يدخل ملف التقاعد الانتخابات التشريعية محملا بأسئلة اجتماعية ومالية تتجاوز الخطاب الانتخابي. أما المتقاعدون، فيؤكد ممثلوهم، فلا يريدون أن يكونوا مجرد عنوان موسمي في الحملات، وإنما ينتظرون معالجة دائمة لملف ظل، لسنوات، في صلب مطالبهم الاجتماعية.