الأحزاب لا تلتقط الإشارة الملكية… النساء للشعارات، والرجال للمفاوضات والمناصب
🖊: الدكتورة فتيحة الطالبي
قد لا تكون أزمة بعض الأحزاب المغربية في نقص الخطابات حول المناصفة والتشبيب، بل في شيء أكثر عمقا: العجز عن التقاط الإشارات الملكية حين تتحول من خطابات و شعارات إلى ممارسة.
وأولى مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة قدمت مثالا صارخا.
يعين جلالة الملك، لأول مرة، امرأة على رأس الحكومة المغربية؛ فتجلس فاطمة الزهراء المنصوري على رأس طاولة المشاورات، ثم تتوافد عليها قيادات عدد من أكبر الأحزاب بوفود رجالية خالصة.
التجمع الوطني للأحرار، حزب الاستقلال، الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حضرت إلى المشاورات بوفود رجالية، فيما سجل حزب التقدم والاشتراكية تميزا عن هذه الصورة بحضور نسائي داخل وفده، كما سجلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية (في اليوم الثاني من المشاورات، ) حضور امرأة ضمن وفدها.
وحده هذا المشهد كان كافيا لطرح السؤال: أمام رئيسة حكومة امرأة، ألم تجد هذه الأحزاب الكبرى في قياداتها امرأة واحدة تستحق أن تكون حاضرة حين يبدأ النقاش حول تشكيل الحكومة؟
هل المكاتب السياسية و اللحان التنفيذية لهذه الأحزاب لم يجدوا فيها امرأة تستحق في نظرهم أن تشاركهم لحظة حاسمة في التفاوض الحكومي مع إمرأة أنصفها جلالة الملك؟ المسألة ليست بروتوكولا، ولا بحثا عن تأثيث صورة بالنساء. المسألة أعمق بكثير: من يوجد داخل الغرفة عندما تبدأ السياسة الجدية؟
الأحزاب عاجزة عن التقاط الإشارات الملكية
وهنا أصل الموضوع.
لأن الإشارة الملكية لم تبدأ مع تعيين امرأة رئيسة للحكومة. منذ سنوات، دعا جلالة الملك الأحزاب بشكل صريح إلى إفساح المجال للطاقات الشابة والنسوية بما يسمح ببروز نخب جديدة مؤهلة لتحمل المسؤولية.
وفي خطاب العرش لسنة 2022، شدد جلالته مجددا على المشاركة الكاملة للمرأة المغربية في كل المجالات، في انسجام مع دستور 2011 الذي كرس المساواة وجعل المناصفة هدفا تسعى الدولة إلى تحقيقه.
ثم لم تعد الإشارة مجرد خطاب، فقد جاء تعيين امرأة على رأس الحكومة. فما الإشارة التي تحتاجها الأحزاب بعد ذلك؟
المفارقة أن بعض الأحزاب تتحدث باستمرار عن مكانة المرأة، وعن التشبيب وتجديد النخب، وعن ضرورة فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، لكن تركيبة وفودها في واحدة من أهم لحظات التفاوض السياسي لم تعكس هذا الخطاب. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل ما تزال بعض الأحزاب غير قادرة على استيعاب وجود المرأة في صلب القرار إلا عندما يأتي الدفع من أعلى أو الإلزام من القانون؟
والمشكل، على ما يبدو، ما زال في جهاز الاستقبال الحزبي، الذي يؤكد أننا لو اعتمدنا على الأحزاب بعقليتها الذكورية لما وجدنا، ولن نجد، امرأة في القيادة لولا إنصاف جلالة الملك.
حين يفرض القانون الحضور… وحين تصبح للأحزاب حرية الاختيار
وهذه ربما هي النقطة الأكثر كشفا. فالجزء الأكبر من الحضور النسائي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة جاء عبر الدوائر الجهوية المخصصة للنساء بقوة القانون. أما في اللوائح المحلية، حيث تكون للأحزاب مساحة أوسع في اختيار من تمنحه التزكية وتضعه في المواقع القابلة للفوز، فإن الحضور النسائي ظل محتشما جدا و مخجل، ولا يكاد في عدد من الأحزاب الكبرى يمثل إلا نسبة هامشية قياسا بحجم حضور الرجال.
وهنا يظهر بوضوح الفارق بين مناصفة يصنعها القانون، ومناصفة تصنعها القناعة السياسية.
فحين يفرض القانون حضور النساء، نجد النساء. أما حين تصبح للأحزاب حرية أوسع في الاختيار، فإن الأرقام تكشف سريعا حدود خطاب المناصفة.
والأمر نفسه يطرح بالنسبة إلى الشباب. فقد حضرت أسماء شابة في اللوائح المحلية، لكن حضور الشباب ظل بدوره محتشما إذا قورن بحجم الخطاب الحزبي المتكرر حول التشبيب وتجديد النخب. ثم انتهت الانتخابات، وبدأت المشاورات الحكومية، فعادت إلى طاولات التفاوض، في الجزء الأكبر منها، القيادات في المربع الذهبي الرجالي لكل لأمين العام والأجيال نفسها التي عمرت طويلا. وكأن بعض الأحزاب تقول، عمليا وإن لم تقلها صراحة: «نعم للمرأة والشباب لتأثيث المشهد، ونعم للنساء خضوعا لما يفرضه القانون… لكن لا للنساء والشباب عندما تبدأ النقاشات الجدية، والقرارات الحساسة، وطاولات التفاوض حول السلطة والمسؤولية.»
وهنا يظهر الفرق الكبير بين الشعارات والواقع الفعلي. فالاختبار الحقيقي للمناصفة ليس أن تقدم الأحزاب نساء في فضاءات خصصها لهن القانون أصلا، كما أن التشبيب لا يقاس بعدد الشباب الذين يظهرون في اللوائح والصور والحملات. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تكون للأحزاب حرية الاختيار: من تمنحه التزكية في المواقع القابلة للفوز؟
من تضعه في الصفوف الأولى؟
من تفتح أمامه دوائر صناعة القرار؟
ومن تصطحبه معها عندما تنتهي الانتخابات وتبدأ المفاوضات الجدية حول الحكومة والمسؤوليات ومراكز القرار؟
هناك تحديدا تسقط الشعارات وتظهر الثقافة السياسية الحقيقية للأحزاب.
بل إن النقاش حول الكوطا النسائية نفسها يحتاج إلى قدر أكبر من الجرأة؛ لأن الهدف منها لا ينبغي أن يكون مجرد استكمال الأرقام أو تأثيث المؤسسات، ولا أن تتحول إلى مجال لإعادة إنتاج منطق القرابة، البنوة و الأخوة أو الولاء أو القرب من دوائر النفوذ الحزبي على حساب الكفاءة والاستحقاق كما شهدنا في انتخابات 23 شتنبر للأسف.
فالمناصفة الحقيقية تبدأ حين لا تحتاج المرأة إلى نص قانوني ليضمن وجودها داخل الغرفة، والتشبيب الحقيقي يبدأ حين يصبح الشاب جزءا طبيعيا من صناعة القرار، لا مجرد عنوان انتخابي موسمي.
و لا يفوتني بهذه المناسبة، أن أهنئ السيدة فاطمة الزهراء المنصوري على الثقة الملكية وعلى هذه المسؤولية التاريخية، التي لا تشكل فقط محطة متقدمة في مسار المرأة المغربية، بل تكشف أيضا حجم المسافة التي ما تزال تفصل بعض الأحزاب عن روح التحولات التي تعرفها الدولة.
فإذا كانت المؤسسة الملكية قد بعثت، على مدى سنوات، بإشارات واضحة حول المرأة والشباب والكفاءة وتجديد النخب، ثم جسدت واحدة من أقواها بوضع امرأة على رأس الحكومة، بينما ما تزال بعض الأحزاب ترسل إلى طاولتها وفودا رجالية مغلقة… فربما علينا أن نعترف بأن الأحزاب عاجزة عن التقاط الإشارات الملكية بالسرعة المطلوبة.
ويبدو، بشيء من التهكم، أنه ما دامت هذه الإشارات تحتاج في كل مرة إلى أن تتحول إلى كوطا، أو مقتضى قانوني، كي تجد طريقها إلى الممارسة الحزبية، فإن أمامنا أشواطا طويلة قبل الوصول إلى مناصفة وتشبيب حقيقيين، أساسهما الكفاءة والاستحقاق، لا تأثيث المشهد.
فالرسالة الملكية واضحة منذ سنوات…
و المشكل، على ما يبدو، ما زال في جهاز الاستقبال الحزبي