العراق في قلب العاصفة … هل يصنع مستقبله أم يبقى ساحة لصراعات الآخرين؟

0

بقلم: يونس الكعبي

9 تشرين الأول 2026

يقف العراق اليوم أمام مرحلة أقليمية شديدة التعقيد ، تتسارع فيها التحولات السياسية والأمنية والأقتصادية من تركيا وأيران ودول الخليج ، إلى سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية. وفي خضم هذه المتغيرات ، يبدو أن العراق وكأنه محاط بمشاريع أستراتيجية متنافسة ، يسعى كل منها إلى تعزيز نفوذه ومصالحه في منطقة يعاد تشكيل موازين القوى فيها.

مشاريع النفوذ ومصالح الجوار:

تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها الأقتصادي والأمني في العراق ، وتوسيع دورها في طرق التجارة الأقليمية ، خصوصاََ من خلال مشروع طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو بالحدود التركية. ويمثل المشروع فرصة أستراتيجية للعراق للتحول إلى مركز للنقل والتجارة بين الخليج وأوربا ، لكنه قد يتحول إلى مجرد ممر عبور أذا لم يرتبط ببناء قاعدة صناعية ولوجستية عراقية حقيقية.

في المقابل تحتفظ أيران بنفوذ سياسي وأقتصادي وأمني مهم داخل العراق ، مستندة إلى الجغرافيا والعلاقات التجارية والسياسية. ويواجه العراق تحدياََ يتمثل في بناء علاقة متوازنة مع طهران ، تحفظ المصالح المشتركة وتحمي السيادة الوطنية وتمنع أستخدام الأراضي العراقية في صراعات أقليمية.

أما دول الخليج ، فتقدم فرصاََ مهمة للأستثمار في الطاقة والبنى التحتية والتجارة ، بما يسمح للعراق بتنويع شركائه وتقليل أعتماده على أقتصاد النفط. لكن الأستفادة من هذه الفرص تتطلب أدارة وطنية شفافة للأستثمارات ، تمنع تحولها إلى أدوات للتنافس السياسي والنفوذ الخارجي.

سوريا ولبنان وفلسطين … أرتدادات لا يمكن تجاهلها:

تشكل التحولات في سوريا ولبنان ، وأستمرار الصراع الفلسطيني ، عوامل مؤثرة في مستقبل العراق الأمني والسياسي. فأستقرار سوريا قد يفتح آفاقاََ جديدة للتجارة والنقل والطاقة ، بينما قد يؤدي أستمرار الأضطرابات إلى تهديد الحدود العراقية وتوسيع نشاطات الجماعات المسلحة.

في لبنان ، يمكن أن تنعكس التحولات في هذا البلد وموازين القوى فيه على التنافس الأقليمي ، وتصل ارتداداته إلى العراق ، ولا سيما العلاقات المتأزمة بين أيران وأسرائيل وأمريكا. بينما تبقى القضية الفلسطينية عاملاََ أساسياََ في تشكيل الرأي العام العربي وما تشكله هذه القضية من ارتباطات عقائدية للشعب العراقي تجعل من هذه المواقف والعقائد قيودا صارمة على الموقف السياسي العراقي.

ويواجه العراق معادلة دقيقة ، دعم الحقوق الفلسطينية والحفاظ على موقفه السياسي والأخلاقي برفض التطبيع بكل أشكاله ، مع منع تحول أراضيه إلى ساحة لتوسيع المواجهة الأقليمية. فالدفاع عن القضايا العربية لا يتعارض مع حماية العراق كدولة مستقلة ، لكن الجمع بينهما يتطلب سياسة خارجية واضحة وقراراََ أمنياََ موحداََ.

واشنطن وطهران … معضلة التوازن:

تظل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأيران من أصعب الأختبارات أمام السياسة العراقية ، بسبب أرتباطها بالأمن والأقتصاد والطاقة والعلاقات الدولية.

فالأنحياز الكامل إلى أي طرف قد يعرض العراق إلى ضغوط سياسية وأقتصادية وأمنية ، بينما لا يكفي أعلان الحياد لحماية البلاد أذا لم تمتلك الحكومة العراقية أدوات تطبيقه.

أن التوازن الحقيقي لا يعني الوقوف على مسافة متساوية من الجميع ، بل أقامة علاقات تحقق المصالح العراقية ، وتمنع أستخدام العراق منطلق للهجمات أو ساحة لتصفية الحسابات.

ويحتاج تطبيق ذلك إلى تنويع الشراكات الأقتصادية ، وتطوير العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية وأوربا وآسيا بما يعطي مرونة للسياسة العراقية أن تكون فاعلة في المنطقة وربما يكون العراق وسيطاََ ناجحاََ لحل الخلافات المستعصية.

هل يستطيع العراق أن يكون دولة محورية؟

يمتلك العراق مقومات مهمة تؤهله للعب دور أقليمي ودولي أكبر ، فموقعه الجغرافي الذي يربط الخليج بتركيا وبلاد الشام ، وثروة نفطية كبيرة ، وسوق واعدة وكبيرة ، وأمكانات معطلة في النقل والطاقة والصناعة والتجارة والزراعة.

لكن هذه المقومات على أهميتها تصطدم بتحديات داخلية أوجدتها الظروف السياسية بعد عام 2003 ، ولازالت مهيمنه على المشهد العراقي ، أبرزها الأنقسام السياسي ، وضعف المؤسسات ، والفساد ، والأعتماد على الأيرادات النفطية كمصدر رئيس للدخل القومي ، وتعدد مراكز القوة العسكرية ، والخلافات بين الحكومة الأتحادية وأقليم كردستان.

ولهذا فأن مستقبل العراق لن يتحدد فقط بما تريده القوى المحيطة به ، بل بقدرته على معالجة أزماته الداخلية وبناء أستراتيجية وطنية تتجاوز عمر الحكومات.

ولكي يتحول العراق إلى دولة محورية ، يحتاج إلى توحيد القرار السياسي والأمني معاََ ، وتنويع الأقتصاد ، وأنجاز مشروع طريق التنمية وفق المصالح العراقية العليا ، وجذب الأستثمارات المنتجة ، وتطوير دبلوماسية مرنة قادرة على الوساطة وبناء التفاهمات الأقليمية.

ثلاثة مسارات أمام مستقبل العراق:

* مسار المبادرة: هذا المسار ينجح في تحصين سيادة العراق وتنويع أقتصاده وبناء علاقات متوازنة ، فيتحول تدريجياََ إلى شريك أقليمي مؤثر.

* مسار أدارة الأزمات: في هذا الخيار يواصل العراق أحتواء الضغوط من دون معالجة جذورها ، فيبقى مستقراََ نسبياََ لكنه عاجز عن أستثمار أمكانياته.

* مسار المواجهة: هنا ستتصاعد الصراعات الأقليمية وتتراجع قدرة الدولة على ضبط أراضيها ، فيتحول العراق مجدداََ إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ويبقى المسار الأول مرهوناََ بالأرادة السياسية ، وقوة المؤسسات المركزية ، وقدرة الحكومة على تحويل الشعارات إلى سياسات عملية.

أن أخطر ما يواجه العراق ليس تعدد المشاريع الأقليمية ، بل غياب المشروع الوطني القادر على التعامل معها. فتركيا وأيران ودول الخليج والولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها ، ومن الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى تعزيز موقعها. لكن من حق العراق أيضاََ أن يبني أستراتيجية تحمي مصالحه وتمنحه القدرة على التأثير.

لا يحتاج العراق إلى الدخول في صراعات مع جيرانه ، ولا إلى الأرتهان لأي محور ، بل إلى تحويل موقعه الجغرافي وثرواته إلى أدوات قوة أقتصادية وسياسية ، وأقامة علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة وأحترام السيادة.

فالعراق أما أن يتحول إلى جسر يربط مشاريع المنطقة ويستفيد منها ، أو يبقى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين ويدفع شعبه ثمن صراعاتهم.

وفي النهاية ، لن تحدد العاصفة وحدها مستقبل العراق ، بل ستحدده قدرة العراقيين على بناء دولة قوية في الداخل ، مستقلة في قرارها ، وفاعلة في محيطها الأقليمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.