تقرير يربط ضعف التخزين بالارتفاعات المهولة في المحروقات
تتواصل الضغوط التي تفرضها أسعار المحروقات على القدرة الشرائية للمغاربة، في ظل ارتفاع كلفة الوقود واستمرار اختلالات بنيوية في المنظومة الطاقية الوطنية، وسط مطالب بمراجعة العبء الضريبي وتشديد الرقابة على هوامش أرباح شركات التوزيع، وتسريع الحسم في مستقبل مصفاة «سامير» التي ظلت خارج الخدمة، رغم ما تمثله من أهمية استراتيجية في مجال التكرير والتخزين.
وكشف تقرير بحثي حديث عن معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية بالمغرب خلال أكتوبر 2026، أن الضرائب تشكل نحو 37 في المائة من سعر لتر الوقود بالمغرب، وفق نموذج حسابي اعتمد سعرا مرجعيا يبلغ 13.38 درهما للتر، منها 4.98 دراهم تمثل الضرائب المفروضة عليه.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على حجم الأعباء التي يتحملها المستهلك المغربي، الذي يجد نفسه في مواجهة أسعار مرتفعة تنعكس بشكل مباشر على مصاريف التنقل والنقل والخدمات، كما تمتد آثارها إلى كلفة نقل البضائع وأسعار عدد من المنتجات والخدمات الأساسية.
ولا تتوقف كلفة المحروقات عند الضرائب وحدها، بل تتداخل معها مصاريف الاستيراد والشحن والتأمين والتخزين والتوزيع، فضلا عن هوامش أرباح الشركات العاملة في القطاع. ويعيد هذا الواقع النقاش حول مدى انعكاس تقلبات الأسواق الدولية على الأسعار المحلية، وحول آليات حماية المستهلك من الزيادات المتلاحقة التي تثقل ميزانيات الأسر والمقاولات.
واعتبر التقرير أن استمرار التبعية للأسواق الخارجية يكشف محدودية السيادة الطاقية للمغرب، موضحا أن انتظام وصول ناقلات المحروقات إلى الموانئ لا يعني بالضرورة توفر شروط الأمن الطاقي، ما دامت المملكة تعتمد على استيراد المنتجات البترولية المكررة، دون امتلاك قدرات وطنية كافية للتكرير والتخزين الاستراتيجي.
ويضع التقرير استمرار إغلاق مصفاة «سامير» بالمحمدية في صلب الاختلالات التي تؤثر في المنظومة الطاقية الوطنية، بالنظر إلى ما ترتب عن توقفها من فقدان قدرات التكرير المحلية والحد من الاستفادة من منشآت التخزين المرتبطة بها. وأدى هذا الوضع، بحسب التقرير، إلى تكريس الاعتماد على استيراد المحروقات المكررة، بما يرافق ذلك من تكاليف إضافية مرتبطة بهوامش التكرير في الأسواق الدولية ومصاريف النقل والتأمين.
ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على الجانب المالي، بل تمتد إلى قدرة المغرب على تدبير المخزون ومواجهة الاضطرابات التي قد تصيب سلاسل الإمداد العالمية. فكلما ارتفع الاعتماد على الشحنات المستوردة، ازدادت أهمية توفر خزانات استراتيجية قادرة على ضمان استمرارية التموين وتخفيف أثر تقلبات الأسعار الدولية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى محدودية القدرات التخزينية بالموانئ، مسجلا بلوغ أرصفة المحروقات بالمحمدية طاقتها التشغيلية خلال فترة الرصد، مع انتظار ست ناقلات للتفريغ، مقابل ثلاث ناقلات بمنطقة انتظار الجرف الأصفر. وتعكس هذه المعطيات، وفق التقرير، الضغط الذي تعرفه البنية التحتية المينائية المخصصة لاستقبال المحروقات، وما قد يترتب عنه من صعوبات في تدبير الإمدادات وتوسيع الاحتياطات.
وأمام هذه الاختلالات، دعا الباحث إلى مراجعة العبء الضريبي المفروض على المحروقات، وضبط هوامش أرباح الشركات، خصوصا خلال فترات ارتفاع الأسعار العالمية، بما يضمن توازنا أكبر بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين والقدرة الشرائية للمواطنين.
كما شدد على ضرورة الحسم العاجل في مستقبل مصفاة «سامير»، واستعادة قدرات التكرير الوطنية، وتوسيع البنيات التحتية للتخزين والاحتياطات الاستراتيجية، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز استقلالية القرار الطاقي وتقليص التعرض للصدمات الخارجية.
وتعيد هذه الخلاصات ملف المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل استمرار التساؤلات بشأن أسباب ارتفاع الأسعار وحجم الضرائب وهوامش التوزيع، ومدى قدرة السياسات المعتمدة على الحد من انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية.
فالتحدي، بحسب ما يبرزه التقرير، لا يرتبط فقط بتأمين وصول ناقلات الوقود إلى الموانئ، بل ببناء منظومة وطنية أكثر قدرة على التحكم في كلفة الاستيراد والتخزين والتكرير، وضمان انعكاس أي تحسن في ظروف السوق على الأسعار التي يؤديها المستهلك النهائي. وبين الضرائب الثقيلة والتبعية للخارج وتعثر استعادة التكرير المحلي، يظل إصلاح قطاع المحروقات رهينا بقرارات عملية تضع الأمن الطاقي والقدرة الشرائية للمغاربة في صدارة الأولويات.