مجلس المنافسة يغرم شركات بأكثر من 43 مليون درهم

0

فرض مجلس المنافسة عقوبات مالية بلغت قيمتها الإجمالية 43,385 مليون درهم خلال سنة 2025، على خلفية مخالفات مرتبطة بعدم احترام قواعد المنافسة وعدم التقيد بالضوابط القانونية المنظمة لعمليات التركيز الاقتصادي والاندماج والاستحواذ. وتأتي هذه العقوبات في سياق تشديد الرقابة على الممارسات التجارية التي من شأنها الإضرار بالتنافسية داخل الأسواق الوطنية، خاصة في القطاعات التي تعرف تمركزا اقتصاديا متزايدا واختلالات في العلاقات بين الفاعلين.

وكشف التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025 عن اتساع نطاق تدخلاته الرقابية، سواء من خلال فرض العقوبات المالية أو مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي أو التحقيق في شبهات ممارسات منافية للمنافسة، فضلا عن تشخيص الاختلالات البنيوية التي تعرفها مجموعة من الأسواق الاستراتيجية المرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطنين وتكاليف الإنتاج والاستثمار.

وأصدر المجلس، خلال السنة الماضية، 202 قرارا ورأيا، موزعة بين 196 قرارا وستة آراء، فيما استحوذت مراقبة عمليات التركيز الاقتصادي على أكثر من 97 في المائة من القرارات الصادرة، في ظل تزايد ملفات الاندماج والاستحواذ والتغيرات التي تطال هياكل ملكية الشركات ومواقعها .

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، حسم مجلس المنافسة في ستة ملفات تنازعية، أربعة منها تتعلق بإنجاز عمليات تركيز اقتصادي دون الحصول على الترخيص المسبق، فيما يرتبط ملفان بممارسات منافية لقواعد المنافسة في سوق منصات طلب الوجبات وتوصيلها، وسوق التموين بمادة «الكلنكر» المستعملة في صناعة الإسمنت.

وتوزعت القرارات الصادرة بشأن هذه الملفات بين عقوبات مالية، وتعهدات تصحيحية أضفى عليها المجلس الصفة الإلزامية، إلى جانب قرارات جمعت بين الغرامات والتدابير الرامية إلى معالجة الاختلالات المسجلة.

وتكتسي مخالفات عدم التبليغ المسبق عن عمليات التركيز الاقتصادي أهمية خاصة، بالنظر إلى مقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي يفرض إخضاع العمليات المستوفية للشروط القانونية لمراقبة المجلس قبل تنفيذها، بما يتيح تقييم آثارها المحتملة على بنية السوق ومواقع المنافسين.

وشملت الحالات التي عالجها المجلس قطاعات الصناعة التحويلية، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، فضلا عن أنشطة إنتاج وتوزيع الماء والتطهير وتدبير النفايات ومحاربة التلوث، وهو ما يعكس تنوع المجالات الاقتصادية التي طالتها المخالفات المرتبطة بعدم احترام مسطرة الترخيص المسبق.

وكانت سوق المنصات الرقمية لطلب الوجبات وتوصيلها من بين أبرز المجالات التي استأثرت باهتمام مجلس المنافسة، من خلال الملف المتعلق بالممارسات التجارية لشركة «GlovoAPP Morocco»، على خلفية مخاوف تنافسية مرتبطة بشروط التعاقد مع المطاعم والفاعلين الاقتصاديين.

وأسفرت معالجة هذا الملف عن اعتماد تسوية تضمنت مجموعة من التعهدات التصحيحية، من بينها إلغاء شروط الحصرية وتحديد سقف العمولات المفروضة على المطاعم في 30 في المائة، بهدف تحسين شروط المنافسة وإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية بين المنصة وشركائها.

وأكد المجلس أهمية تتبع تنفيذ هذه الالتزامات، بما يضمن احترام التعهدات المقدمة والحد من الممارسات التي قد تقيد المنافسة أو تضعف قدرة المطاعم على التفاوض.

وفي سوق مادة الكلنكر، انصبت تدخلات المجلس على شروط تموين مراكز الطحن المستقلة بهذه المادة الأساسية في صناعة الإسمنت، بالنظر إلى تأثير الحصول عليها بكميات كافية وبشروط تجارية عادلة على قدرة هذه المراكز على منافسة المصانع المندمجة.

وشدد المجلس على ضرورة ضمان شروط تموين شفافة وموضوعية وغير تمييزية، بما يحد من العراقيل التي تواجه الفاعلين المستقلين، خصوصا في سوق تتميز بارتفاع مستوى التركيز وصعوبة دخول منافسين جدد.

وبموازاة العقوبات والقرارات الصادرة، كثف مجلس المنافسة تحرياته الميدانية بشأن شبهات ممارسات منافية لقواعد المنافسة، من خلال عمليات زيارة وحجز فجائية استهدفت شركتين تنشطان في سوق الافتحاص المالي والمحاسبي، وخمس شركات في سوق الأعلاف المركبة الموجهة لتربية الدواجن.

وتندرج هذه العمليات ضمن إجراءات البحث وجمع الأدلة والتحقق من مدى احترام القواعد القانونية المنظمة للمنافسة، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت ارتكاب الشركات المستهدفة لأي مخالفات.

وفي ما يتعلق بمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي، أصدر المجلس 190 قرارا خلال سنة 2025، مسجلا ارتفاعا بنسبة 17,3 في المائة مقارنة بسنة 2024، كما رخص لـ185 عملية، وبلغت نسبة تصفية الملفات المدروسة نحو 87 في المائة، بينما ظل 29 طلب ترخيص قيد الدراسة عند نهاية دجنبر 2025.

وسجلت القيمة الإجمالية للالتزامات المالية المصرح بها في عمليات التركيز المرخص لها تراجعا من 2812 مليار درهم سنة 2024 إلى 2056,7 مليارات درهم سنة 2025، بانخفاض يقارب 26,9 في المائة. كما تراجعت الالتزامات المرتبطة بالعمليات التي شاركت فيها رؤوس أموال مغربية من 80 مليار درهم إلى 56,92 مليار درهم.

وتعكس هذه المعطيات، وفق التقرير، تباينا بين ارتفاع عدد القرارات الصادرة عن المجلس وتراجع القيمة المالية الإجمالية للعمليات المصرح بها.

وامتدت تدخلات مجلس المنافسة على الجانب الزجري، إلى دراسة الاختلالات البنيوية التي تطبع عددا من الأسواق الاستراتيجية، من بينها توزيع المواد الغذائية والمطاحن والإسمنت وحديد الخرسانة والأدوية، في ظل إكراهات ترتبط بتركيز العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج وهوامش الربح في بعض المنتجات وصعوبة ولوج فاعلين جدد إلى الأسواق.

في سوق توزيع المواد الغذائية، رصد المجلس تفاوتات في هوامش الربح الإجمالية لبعض المنتجات، إلى جانب اختلالات محتملة في التوازن التفاوضي بين الموردين والموزعين، فضلا عن تشتت المعطيات الاقتصادية المرتبطة بمسالك التوزيع.

وأشار التقرير إلى أن تعدد الوسطاء واختلاف قنوات التموين والتوزيع يؤثران في تكوين الأسعار النهائية، في وقت تستمر فيه هيمنة التجارة التقليدية بالتوازي مع توسع التجارة الكبرى.

ودعا المجلس إلى تعزيز شفافية المعاملات التجارية، وتقوية الإطار التنظيمي للعلاقات بين الموردين والموزعين، وتطوير آليات جمع المعطيات ومراقبة شروط المنافسة، إلى جانب تحديث التجارة التقليدية وتعزيز قدراتها التنافسية.

وشدد التقرير، في المقابل، على أن ارتفاع هوامش الربح لا يشكل في حد ذاته دليلا على ارتكاب مخالفة قانونية، ما يستدعي تقييم الممارسات التجارية في ضوء القواعد المنظمة للمنافسة والمعطيات المرتبطة بكل سوق.

وفي قطاع الإسمنت، أظهرت معطيات التقرير ارتفاع درجة التركيز الاقتصادي، حيث تستحوذ المصانع المندمجة على أكثر من 97 في المائة من الطاقة الإنتاجية الوطنية المقدرة بنحو 27,3 ملايين طن سنويا.

وترتبط هذه الوضعية بارتفاع الحواجز المالية والإدارية أمام دخول فاعلين جدد، فضلا عن التوزيع الجغرافي غير المتكافئ للقدرات الإنتاجية والاعتماد على موارد طاقية مستوردة، خصوصا فحم البترول.

كما تواجه مراكز الطحن المستقلة صعوبات في الحصول على مادة الكلنكر، الأمر الذي يؤثر في قدرتها على منافسة المصانع المندمجة والتحكم في تكاليف الإنتاج.

وأوصى المجلس بتحسين شفافية الأسعار، وتيسير ولوج الفاعلين المستقلين إلى المواد الأولية، وتنظيم مسالك التوزيع، فضلا عن تعزيز استدامة الإنتاج وتقليص التبعية الطاقية، بما يدعم المنافسة ويحافظ على القدرات الإنتاجية الوطنية، أما سوق المطاحن، فقد سجل المجلس وجود فائض هيكلي في القدرات الإنتاجية يؤثر في مردودية الفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب اختلالات مرتبطة بآليات الدعم العمومي الموجهة إلى القطاع.

ورغم مساهمة هذه الآليات في استقرار الأسعار، فإنها قد تؤثر في النجاعة الاقتصادية والتوازن التنافسي بين المقاولات، بحسب ما أورده التقرير.

وحذر المجلس أيضا من هشاشة سلسلة الحبوب أمام تقلبات الأسواق الدولية وتداعيات الجفاف والاعتماد الكبير على الواردات، داعيا إلى إصلاح تدريجي لمنظومة الدعم وتحسين استهدافها، بالتوازي مع تطوير الإنتاجية والجودة، بما يضمن التوفيق بين الأمن الغذائي وشروط المنافسة.

وفي سوق حديد الخرسانة، رصد التقرير ضغوطا مرتبطة بارتفاع تكاليف المواد الأولية والطاقة، وفائض القدرات الإنتاجية، وصعوبات التزود بخردة الحديد، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بتنظيم مسالك التوزيع ومراقبة جودة المنتجات.

وتكتسي هذه الاختلالات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط القطاع بأوراش البناء والبنيات التحتية، وتأثير تكاليفه في الاقتصاد الوطني.

ودعا المجلس إلى تعزيز مراقبة الأسعار والكميات المتداولة، وتأمين التموين بالمواد الأولية، وتحسين التنافسية الطاقية والبيئية، والتصدي للممارسات التجارية الدولية غير المشروعة، إلى جانب تشجيع الابتكار والاقتصاد الدائري وتطوير آليات مراقبة الجودة.

وفي قطاع الأدوية، نبه مجلس المنافسة إلى الضغوط الاقتصادية التي تواجه الصيدليات ومؤسسات التوزيع بالجملة، نتيجة تقلص هوامش الربح وارتفاع تكاليف الاستغلال، بالتزامن مع التحولات التي يشهدها القطاع بفعل توسيع التغطية الصحية ومراجعة أسعار الأدوية.

وأكد المجلس ضرورة اعتماد مقاربة مندمجة لإصلاح نظام التسعير، تأخذ بعين الاعتبار كلفة التوزيع واستمرارية التموين والتوازن الاقتصادي للفاعلين، مع تطوير آليات تحديد أسعار الأدوية الجنيسة والمثائل الحيوية ومراجعة المقارنات المرجعية الدولية المعتمدة في التسعير.

كما دعا إلى تقييم آثار الإصلاحات المرتقبة قبل تنفيذها، وتوضيح كيفية تطبيق التخفيضات التفاوضية على أسعار الأدوية، وتعزيز قدرات هيئات ضبط القطاع، بما يضمن تحسين ولوج المواطنين إلى العلاج دون الإضرار باستمرارية شبكة توزيع الأدوية.

وتبرز الحصيلة السنوية لمجلس المنافسة اتساع نطاق دوره الرقابي والاستشاري، من خلال الجمع بين العقوبات المالية ومراقبة الاندماجات والاستحواذات والتحقيق في الممارسات المشبوهة، وبين تشخيص الاختلالات التي تعرفها الأسواق واقتراح تدابير لتحسين المنافسة.

ويضع هذا التقرير تحدي ضمان منافسة أكثر شفافية وعدالة في صلب النقاش الاقتصادي، خصوصا في القطاعات التي تؤثر بصورة مباشرة في الأسعار وتكاليف الإنتاج والقدرة الشرائية للمواطنين، بما يجعل فعالية تنفيذ التوصيات والتعهدات التصحيحية عاملا أساسيا في قياس أثر تدخلات المجلس على أرض الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.