“المطبلون” بقلم ذ.محمد العبدوني خياري “شكون شكارك العروسة؟ قالت ليهم أمي وخالتي والحزارة جارتي”

0

في كل زمان ومكان، نجد فئة من الناس تتقن فنّ النفاق والتصفيق الخاوي، هؤلاء هم المطبلون، الذين يعيشون على هامش الحقيقة، ولا يرون في الصراحة إلا خطرًا على مصالحهم وحاجاتهم. ولو طرحنا سؤالًا من هو المطبل؟ هو ذلك الشخص الذي يُهلّل ويمدح دون صدق أو ضمير، لا لأن ما يُقال أو يُفعل يستحق الثناء، ولكن لأنه يبحث عن إرضاء الآخرين من أجل مكاسب شخصية أو مصلحة. فقد يكون مطبلًا لمدير عمله، أو لشخصية مشهورة، أو حتى لحزب أو جماعة . المطبلون هم أخطر من المفسدين أنفسهم، لأنهم يبرّرون الفساد ، ويخلقون الهالة الزائفة حول المسؤول. في زمننا الحالي وزمن الإعلام ومواقع التواصل، تغيّر شكلهم، وأصبحوا يظهرون على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي وبعض الأقلام المأجورة.

التطبيل هو أداة لتخدير الشعوب، فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى من يصفق لكل شيء باسم الولاء ولا من يشتم كل شيء باسم النقد؛ بل إلى من يقول الحقيقة، كما هي، دون مساحيق أو عمليات تجميل. المغرب يحتاج اليوم إلى أناس صادقين لا إلى أبواق، إلى نقد مسؤول لا إلى قدح، إلى رجال يملكون الشجاعة ليقولوا “نعم” حين تستحق و “لا” حين يجب. فالمثقف هو مرآة المجتمع، عليه أن يزن الأمور بميزان العقل والضمير، لا بميزان المصلحة والانتماء؛ لأن المسؤول الذي لا يجد من ينبهه إلى أخطائه يصدق صورته المصنوعة والمنمقة. فالخطر لا يظهر دفعة واحدة، بل تراكمات في التفاصيل: خبر ناقص،صحافة لاتحاسب، حوار موجه، ملف مطوي، ومنبر يفضل السلامة على الحقيقة.

يبدأ المشكل عندما يتحول الاعلام إلى تبعية، فجزء من الإعلام اليوم لم يعد يسأل: ماذا وقع؟ من المسؤول؟ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ما أثر القرارات على المواطن؟ بل صار يشتغل بمنطق آخر: كيف نغلف و نقدم الخبر بأقل إزعاج؟ فالمواطن لا يحتاج إلى من يقول له العام زين وكل شيئ على مايرام، وهو يرى بعينه غلاء المعيشة، وتردي الخدمات، وتراجع الثقة في المؤسسات. المواطن يحتاج إلى إعلام ينقل صوته بأمانة، لا إلى إعلام يطالبه بالصبر كلما طرح سؤالا مشروعا، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة لأنها صيانة للمؤسسات.

السياسة الجادة تحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن المنصب ليس امتيازا دائما، بل مسؤولية وكرسي مؤقت، وإلى منع الجمع بين القرار والمصلحة، وبين النفوذ والصفقة، وبين التمثيل العمومي وخدمة الدائرة الخاصة. فحين تضعف الأحزاب، وتفقد النقابات قدرتها، ويتحول الإعلام إلى صدى تجاري، عندها لا يعود الاحتقان قابلا للتدبير الهادئ؛ لأنه لا يجد قناة موثوقة تعبّر عنه وتنقله إلى المؤسسات ، وهنا يجب التقاط الرسالة مبكرا: ليس كل صمت رضا، وليس كل عزوف لامبالاة،. هذا جيل السرعة وغير صبور، ولا يثق في الخطابات الطويلة، ولا يفرق دائما بين المسؤولين. لذلك فإن تقوية الوسائط السياسية والإعلامية ليست ترفا ديمقراطيا، بل حاجة لحماية الاستقرار. المؤسسات القوية لا تحتاج إلى إعلام مطيع، بل إلى إعلام مهني. ولا تحتاج إلى أحزاب شكلية، بل إلى تنظيمات حقيقية قادرة على التأطير والاقتراح والمعارضة المسؤولة لتفادي المفاجآت.

حين يستر الإعلام أخطاء المسؤول ويطبل له، فإنه لا يحميه؛ بل يتركه يواصل السير الى المنحدر. فالمسؤول بحاجة الى جهاز إنذار. لقد أصبحنا نشهد تناسل الكلمة الفارغة والجوفاء مع تفاهة مبتذلة. في كل مكان نسمع صخب أشباه الصحفيين ومؤثرين تافهين المُطَبِّلون (أصحاب البندير والمزمار) ، والذين احتكروا المشهد الإعلامي والفكري، فشوَّهوا الحقيقة وأفسدوا الذوق العام .

يحكى أن أعرابي دخل على أحد الأمراء عِشاءً، فقال له صباح الخير فغضب الأمير، وقال له: “أتستهزئ بي أم تمزح معي؟ فأدرك الشاعر مدى خطئه، وقال مرتجلا::

صَبَّحتُهُ عند المساءِ فقالَ لي

تَهَزا بقَدري أَم تُريدُ مِزاحا

فأَجبتهُ إِشراقُ وجهكَ غَرَّني

حتى تَوَهمتُ المساءَ صَبَاحا!!!”

انهم يبيعون ضمائرهم مقابل قربٍ أو منصبٍ في إدارة او حزب أو لحظة شهرة، وينسون أن المثقف أو الصحافي الحقيقي لا يكون بوقًا لأحد، بل ضميرًا للوطن. هؤلاء المطبلون اختاروا الاصطفاف مع الفساد والمفسدين. والمفارقة هي أن بعضهم يدعي المثالية والنضال. كيف ينجح المطبلون؟ ينجح المطبلون لأن بعض الناس يميلون ويحبون المديح أكثر من الحقيقة، فصاحب السلطة أو صاحب المال غالبًا ما يميل لمن يرفع من شأنه، حتى لو كان كلامه زائفا أو كذبًا، والمطبل الذكي يدرك هذه الثغرة، فيتسلل إليها بالكلمة المنمّقة والابتسامة الزائفة الكاذبة، لكن الحقيقة المؤلمة والصادمة هي أن المطبل لا يعيش إلا في ظل المتكبر، فهو لا يمدح إلا من يطلب المديح، ولا يصفّق إلا لمن يطربه الصدى ، يصفّقون ويهتفون حتى للقرارات الخاطئة، ويهاجمون كل من يجرؤ على قول كلمة حق.

وتبقى المسؤولية الكبرى للمواطن نفسه: عليه ألا يسلّم عقله لأحد، وألا يجعل من الإعلام، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو المؤثرين مرجعية مطلقة للحقيقة. لا تُبجلوا الأشخاص، ولا تجعلوا أحدا فوق النقد. لدينا مشاكل كبيرة يجب معالجتها بجرأة؛ من التعليم إلى الصحة إلى العدالة الاجتماعية، إلى محاربة الفساد. وهذه المشاكل لا يجوز التغطية عليها بالشعارات الزائفة. لكن لا يمكن أيضًا إنكار أن هناك تطورًا حاصلًا، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والمشاريع الكبرى التي غيّرت وجه البلاد. التقدم لا ينبغي أن يُنسينا النواقص، كما أن النواقص يجب ألا تحجب عنا ما تحقق. الطريق لا يزال طويلاً؛ لكنه طريق يستحق أن نسلكه بعقل نقدي وضمير حيّ وأناي شرفاء نزهاء وحب حقيقي للوطن.

“لا تطبلوا ولا تزمروا، اتركوا الكل يعرف حقيقته، فالبالون اذا نفختم فيه سبنفجر في وجهكم يوما ما”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.