إصلاح المنظومة التربوية في أفق 2031: من إعادة هيكلة القطاع الوزاري إلى حكامة مندمجة تحقق الإنصاف وجودة التعلمات
قراءة تربوية ومؤسساتية في رهانات البرنامج الحكومي 2026-2031
بقلم: عتيقة أزولاي – فاعلة تربوية وجمعوية وسياسية و باحثة في مجال الاعلام التربوي.
التعليم في صلب الرهان التنموي
يشكل تقديم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، يوم 19 أكتوبر 2026، محطة مؤسساتية مهمة لاستشراف ملامح المرحلة التنموية المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بتعزيز الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العمومية. ويحتل قطاع التربية والتعليم موقعاً محورياً ضمن هذه الرهانات، باعتباره مدخلاً أساسياً لبناء الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعداد الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمجتمعية .وقد حدد البرنامج الحكومي هدفاً يتمثل في رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031، إلى جانب تحقيق هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030. كما أولى أهمية لإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، من خلال التكوين المرتبط بحاجيات المقاولات، وتوسيع فرص اكتساب التجربة المهنية.غير أن أهمية هذه الالتزامات لا تكمن في طموحها المعلن فحسب، بل في قدرتها على إحداث تحول فعلي داخل المدرسة العمومية، والانتقال من تدبير الإصلاحات باعتبارها برامج ومشاريع متفرقة إلى بناء منظومة متكاملة، واضحة المسؤوليات، قائمة على النتائج، وقادرة على الاستجابة للاحتياجات الحقيقية للمتعلمات والمتعلمين والأسر.ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة قراءة التوجه الجديد المرتبط بإعادة هيكلة القطاع الوزاري المكلف بالتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، في علاقته بالتوجهات الملكية السامية، وخاصة الدعوة إلى تعزيز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وتوضيح الاختصاصات، وتحقيق النجاعة في تنفيذ السياسات العمومية.
أولاً: إعادة هيكلة القطاع الوزاري.. تحول في منطق الإصلاح أم مجرد تغيير في التسمية؟
إن الانتقال من صيغة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى صيغة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز الجانب التنظيمي المرتبط بالتسمية: هل نحن أمام إعادة ترتيب للاختصاصات، أم أمام توجه يروم بناء استمرارية أكثر تكاملاً بين التربية والتكوين والتأهيل والإدماج الاجتماعي والمهني؟
إن استحضار التعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل ضمن تصور مؤسساتي مترابط يفتح المجال أمام التفكير في المسار التربوي والمهني للإنسان باعتباره مساراً متواصلاً، يبدأ من السنوات الأولى للتنشئة والتعلم، ويمر عبر اكتساب التعلمات الأساسية والكفايات، وصولاً إلى التكوين المتخصص والتأهيل للاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.لكن هذا التوجه لا يحقق أهدافه تلقائياً بمجرد تغيير التسمية الوزارية أو إعادة توزيع الاختصاصات. فنجاحه يقتضي تحديداً دقيقاً للمهام، وتنسيقاً فعالاً بين المستويات المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، وإرساء آليات مشتركة للتخطيط والتنفيذ والتتبع والتقييم.كما أن إدماج التكوين المهني والتأهيل في التصور العام للقطاع يستدعي الانتباه إلى طبيعة العلاقات المؤسساتية مع مختلف المتدخلين في منظومة التكوين والتشغيل، وتحديد مجالات التكامل والتنسيق، تفادياً لتداخل الاختصاصات أو ازدواجية البرامج أو تشتت المسؤوليات.وعليه، فإن الرهان الحقيقي ليس في توسيع نطاق الاختصاصات داخل الوزارة، بل في بناء حكامة مؤسساتية تجعل من التكامل وسيلة لتحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، وتيسير الانتقال من التعليم إلى التكوين ثم إلى الشغل.
ثانياً: التعليم الأولي والتعلمات الأساسية.. بناء المدرسة من نقطة البداية
يعد التعليم الأولي الحلقة الأولى في بناء المسار التعلمي، لما له من دور في تنمية القدرات اللغوية والمعرفية والاجتماعية للطفل، وتعزيز استعداده للاندماج في التعليم الابتدائي. ولذلك، فإن إدراجه ضمن الأولويات الإصلاحية يقتضي الانتقال من مجرد توسيع العرض التربوي إلى ضمان جودته واستمراريته وإنصافه المجالي.فالتحدي لا يتمثل فقط في توفير مقاعد إضافية للتعليم الأولي، بل أيضاً في ضمان تكافؤ فرص الولوج إليه، ولا سيما في المناطق القروية والجبلية والنائية، وتحسين ظروف الاستقبال، وتأهيل الموارد البشرية، وتعزيز التكوين المستمر للمربيات والمربين، وتوفير بيئة تربوية آمنة ومحفزة.ويتعين أن يرتبط تطوير التعليم الأولي بإصلاح التعلمات في التعليم الابتدائي، من خلال ضمان الاستمرارية البيداغوجية بين المرحلتين، وتطوير آليات رصد صعوبات التعلم والتدخل المبكر لمعالجتها.فإذا كان البرنامج الحكومي يطمح إلى بلوغ نسبة 80 في المائة على الأقل من التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية بحلول سنة 2031، فإن تحقيق هذا الهدف يستدعي إعطاء الأولوية للقراءة والكتابة والحساب، والتشخيص المنتظم للتعثرات، وتوفير الدعم التربوي الموجه، ومواكبة المؤسسات التعليمية التي تسجل نتائج دون المستوى المستهدف.كما يقتضي ذلك تجاوز المقاربة التي تقيس نجاح الإصلاح بحجم الموارد المرصودة أو عدد المشاريع المنجزة، نحو مقاربة تركز على ما اكتسبه المتعلم فعلياً من معارف وكفايات، ومدى قدرته على توظيفها في وضعيات تعلمية وحياتية مختلفة.إن المدرسة التي تنجح في تمكين الطفل من التعلمات الأساسية منذ السنوات الأولى، تقلص احتمالات تراكم التعثرات، وتوفر شروطاً أفضل للاستمرار في الدراسة والاندماج الاجتماعي.
ثالثاً: محاربة الهدر المدرسي.. من التدخل بعد الانقطاع إلى الوقاية المبكرة
يمثل هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030 أحد أبرز الالتزامات الاجتماعية والتربوية الواردة في البرنامج الحكومي. غير أن تحقيقه يقتضي التعامل مع الهدر المدرسي باعتباره ظاهرة متعددة الأسباب، لا يمكن معالجتها من خلال تدخل قطاعي محدود أو إجراءات ظرفية معزولة.
فالهدر المدرسي يرتبط بعوامل متداخلة، تشمل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية للأسر، وبعد المؤسسات التعليمية، وضعف وسائل النقل المدرسي في بعض المناطق، والتعثرات الدراسية، والظروف الأسرية، والهشاشة المجالية، فضلاً عن بعض الممارسات التربوية التي قد تؤثر في شعور المتعلم بالانتماء إلى المؤسسة التعليمية.ومن ثم، فإن محاربة هذه الظاهرة تقتضي الانتقال من التدخل بعد وقوع الانقطاع إلى اعتماد منظومة للوقاية والرصد المبكر، تقوم على تحديد مؤشرات الإنذار، وتتبع الغياب المتكرر، والتدخل التربوي والاجتماعي قبل وصول التلميذ إلى مرحلة الانقطاع النهائي.ويستدعي ذلك بناء مشاريع مندمجة تجمع بين المدرسة والأسرة والجماعات الترابية والقطاعات المكلفة بالتضامن والصحة والنقل والتكوين، مع إشراك المجتمع المدني في المواكبة والتحسيس وإعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة.كما ينبغي إيلاء اهتمام خاص بالفتيات في المناطق القروية والنائية، وبالأطفال في وضعيات الهشاشة، وبالمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، ضماناً لحق الجميع في تعليم منصف ومتاح.وفي هذا الإطار، يصبح دور المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية حاسماً في تحديد أسباب الانقطاع بحسب خصوصية كل مجال ترابي، وتوجيه الموارد نحو الفئات والمؤسسات الأكثر حاجة، عوض اعتماد تدخلات موحدة لا تستجيب بالضرورة لاختلاف الأوضاع المحلية.إن بلوغ هدف صفر انقطاع لا يقاس فقط بانخفاض عدد المنقطعين، بل كذلك بمدى قدرة المنظومة على ضمان استمرارية التعلم، وإعادة إدماج المنقطعين، وتوفير مسارات بديلة ومرنة للتعليم والتكوين والتأهيل.
رابعاً: التكوين المهني والتأهيل..
جسر بين المدرسة وسوق الشغل
إن إدراج التكوين المهني والتأهيل ضمن التصور المؤسساتي للقطاع يطرح فرصة مهمة لإعادة بناء العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة ببطالة الشباب وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية.وقد أشار البرنامج الحكومي إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج التعليم والتكوين والشغل، كما أورد نسبة بطالة تبلغ 29.2 في المائة للفئة العمرية بين 15 و24 سنة. واقترح تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من أول تجربة مهنية، إلى جانب توسيع التكوين بالتدرج.وتكشف هذه الأهداف عن أهمية تطوير مسارات أكثر مرونة تربط التكوين بالكفايات المطلوبة في سوق الشغل، وتمنح الشباب فرصاً حقيقية لاكتساب المهارات التقنية والرقمية والمهنية.غير أن هذا التوجه يقتضي تحديداً واضحاً للعلاقة بين التعليم المدرسي والتكوين المهني والتأهيل، مع ضمان التكامل بين المتدخلين، وتفادي تكرار البرامج أو تضارب الأدوار.كما يتعين تعزيز التوجيه المدرسي والمهني، وتطوير جسور الانتقال بين المسارات التعليمية والتكوينية، وإتاحة فرص العودة إلى التعلم بالنسبة إلى الشباب الذين غادروا المدرسة دون استكمال مسارهم الدراسي.ولا ينبغي اختزال نجاح هذا الورش في عدد المقاعد التكوينية أو المستفيدين من البرامج، بل يجب قياسه بمؤشرات أكثر ارتباطاً بالأثر، مثل معدلات استكمال التكوين، ونسب الإدماج المهني، واستقرار فرص الشغل، ومدى ملاءمة الكفايات المكتسبة لحاجيات الاقتصاد المحلي والوطني.وبذلك، يمكن أن يشكل التكامل بين التربية والتكوين والتأهيل مدخلاً للحد من الهدر المدرسي والاجتماعي، وتعزيز فرص الشباب في الاندماج والمشاركة في التنمية.
خامساً: اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة.. من مركزية القرار إلى نجاعة التنفيذ
تكتسي التوجهات الملكية السامية أهمية خاصة في هذا السياق، ولا سيما ما يرتبط بتعزيز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وتطوير قدرة المؤسسات الترابية على الاستجابة لحاجيات المواطنين.فالإصلاح التربوي لا يمكن أن يحقق الأثر المنشود إذا ظلت القرارات الأساسية محصورة في مستويات إدارية بعيدة عن واقع المؤسسات التعليمية، أو إذا كانت الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية تفتقر إلى الصلاحيات والموارد اللازمة لمعالجة الإشكالات المحلية.ومن هنا، فإن الانتقال من التدبير المركزي إلى تدبير أكثر قرباً من المجال الترابي لا يعني إضعاف دور الإدارة المركزية، بل إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجهات والأقاليم على أساس التكامل وتوزيع واضح للمسؤوليات.فالمستوى المركزي يضطلع بتحديد التوجهات الاستراتيجية والمعايير الوطنية للجودة والإنصاف، وضمان توزيع عادل للموارد، وإرساء منظومة وطنية للتقييم والمساءلة. أما المستويات الجهوية والإقليمية، فينبغي تمكينها من صلاحيات فعلية لتكييف البرامج وتنفيذها وفق الحاجيات المحلية، مع احترام الأهداف الوطنية المشتركة.ويستدعي ذلك تفويض الاختصاصات بشكل واضح، وتبسيط المساطر، وتقليص الآجال الإدارية، وتعزيز قدرات المسؤولين الترابيين في مجالات التخطيط والتدبير المالي والموارد البشرية وتتبع المشاريع.كما يقتضي توضيح العلاقة بين الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، حتى لا تتحول تعددية المستويات الإدارية إلى مصدر لتداخل الاختصاصات أو تعطيل القرارات أو تشتت المسؤولية.فحين تتعدد الجهات المتدخلة دون تحديد دقيق لمن يقرر ومن ينفذ ومن يتتبع ومن يحاسب، تصبح المشاريع عرضة للتأخير، وتتراجع القدرة على قياس النتائج وتحديد المسؤوليات عن الاختلالات.أما حين تتضح الاختصاصات وتتوفر الموارد والصلاحيات وآليات التنسيق، فإن التدبير الترابي يصبح وسيلة لتقريب القرار من المواطن، وتسريع معالجة المشكلات، وتحسين جودة الخدمات التربوية.وبهذا المعنى، فإن اللاتمركز الإداري ليس غاية تنظيمية في حد ذاته، بل شرط مؤسساتي لرفع نجاعة الإصلاح وتحقيق أثره داخل الفصول الدراسية والمؤسسات التعليمية.
سادساً: المشاريع المندمجة والأولويات المشتركة.. تجاوز تجزيءالإصلاح
سابعاً: حكامة الإصلاح وربط المسؤولية بالمحاسبة.. من إنجاز المشاريع إلى قياس الأثر.
إن نجاح البرنامج الحكومي في قطاع التربية والتعليم يظل رهيناً بجودة حكامته وقدرته على تحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنات والمواطنين.ويقتضي ذلك اعتماد منظومة للتتبع والتقييم تقوم على مؤشرات محددة، وآجال زمنية واضحة، ومسؤوليات موزعة بين مختلف المستويات، مع نشر دوري للنتائج بما يعزز الشفافية والثقة في المؤسسات.وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين مؤشرات الإنجاز ومؤشرات الأثر. فبناء المؤسسات التعليمية أو تجهيزها أو تنظيم دورات تكوينية يمثل إنجازاً إدارياً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحسن التعلمات أو انخفاض الهدر المدرسي.أما الأثر الحقيقي، فيتجلى في تحسن مستوى لقراءة والكتابة والحساب، وانخفاض نسب التعثر والانقطاع، وتحسن ظروف التمدرس، وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمناطق، وارتفاع فرص الإدماج بالنسبة إلى الشباب المستفيدين من التكوين.ولتحقيق ذلك، يتعين إرساء منظومة معلوماتية موثوقة تسمح بتجميع المعطيات وتحليلها، وتحديد المؤسسات والمجالات التي تحتاج إلى تدخل إضافي، وتوجيه الموارد وفق النتائج والحاجيات، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية للمتعلمين.كما ينبغي أن تشمل الحكامة آليات للتقويم المستقل، والمراقبة المالية والإدارية، والمساءلة البرلمانية، وإشراك المجتمع المدني والجامعات والخبراء والفاعلين التربويين في تحليل النتائج واقتراح التصحيحات اللازمة.ويظل ربط المسؤولية بالمحاسبة مدخلاً أساسياً لإنجاح الإصلاح، شريطة أن يقترن بتحديد الاختصاصات وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة، وألا تتحول المحاسبة إلى مجرد إجراء إداري منفصل عن شروط العمل الفعلية.فلا يمكن مطالبة المسؤول بتحقيق نتائج دون تمكينه من أدوات التنفيذ، كما لا يمكن تبرير استمرار الاختلالات في غياب تقييم موضوعي وشفاف لما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
ثامناً: المدرسة العمومية في قلب الدولة الاجتماعية
إن إصلاح التربية والتعليم لا ينبغي أن يُختزل في ورش قطاعي، بل يتعين النظر إليه باعتباره رافعة أساسية لبناء الدولة الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة المجالية.فالمدرسة العمومية تمثل بالنسبة إلى ملايين الأسر فضاءً لاكتساب المعرفة، ووسيلة للارتقاء الاجتماعي، وفرصة للخروج من دوائر الهشاشة والفقر. ولذلك، فإن جودة خدماتها وعدالة توزيع مواردها تؤثران مباشرة في ثقة المواطنات والمواطنين في السياسات العمومية.ويقتضي ذلك أن يلمس المواطن أثر الإصلاح في حياته اليومية، من خلال تحسن جودة التعلمات، وتوفر النقل والإطعام المدرسي حيث تدعو الحاجة، وتقوية الدعم الاجتماعي والتربوي، وتحسين ظروف الاستقبال والتأطير، وتيسير الولوج إلى التعليم الأولي والتكوين.كما يستدعي إيلاء اهتمام خاص بالأسر التي تواجه
صعوبات في تحمل تكاليف التمدرس، وبالمناطق التي تعاني من العزلة أو ضعف الخدمات الأساسية، حتى لا تتحول الظروف الاجتماعية أو الجغرافية إلى عائق أمام حق الطفل في التعليم.إن الرهان ليس فقط ضمان الولوج إلى المدرسة، بل ضمان التعلم الفعلي داخلها، والنجاح والاستمرار فيها، واكتساب الكفايات التي تمكن المتعلم من المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.وبذلك، يصبح إصلاح المدرسة العمومية استثماراً في الإنسان وفي مستقبل المجتمع، وليس مجرد نفقة إدارية أو التزاماً قطاعياً محدوداً.
خاتمة: من إعادة الهيكلة إلى تحقيق الأثر التربوي
إن البرنامج الحكومي 2026-2031 يفتح أفقاً جديداً للتفكير في إصلاح قطاع التربية والتعليم، من خلال الأهداف المرتبطة بالتعلمات الأساسية، ومحاربة الانقطاع عن الدراسة، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، وتعزيز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.غير أن نجاح هذه التوجهات يظل مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل إعادة الهيكلة المؤسساتية إلى تغيير فعلي في طرق التدبير، وتوضيح الاختصاصات، وتقوية صلاحيات المستويات الترابية، وإرساء مشاريع مندمجة تنطلق من الحاجيات الواقعية للمتعلمين والأسر والمؤسسات التعليمية.كما أن استحضار التوجهات الملكية السامية يقتضي ترجمة مبادئ النجاعة والإنصاف واللاتمركز إلى إجراءات عملية، تضمن توزيعاً أفضل للموارد، وتسريع تنفيذ المشاريع، وتعزيز التنسيق بين القطاعات، وربط المسؤولية بالنتائج.إن التحدي الأكبر أمام المرحلة المقبلة لا يتمثل في إطلاق مزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في ضمان انسجامها وتكاملها واستدامة أثرها. فالتعليم الأولي لن يحقق كامل أهدافه دون استمرارية بيداغوجية، ومحاربة الهدر المدرسي لن تنجح دون وقاية مبكرة وتدخلات اجتماعية مندمجة، والتكوين المهني لن يحقق رهاناته دون ارتباط فعلي بالكفايات وفرص الشغل.ومن هنا، فإن إعادة هيكلة القطاع الوزاري ينبغي أن تُقاس بما ستحدثه من تحسن في جودة التعلمات، وما ستوفره من إنصاف بين الجهات والفئات، وما ستتيحه من فرص حقيقية أمام الشباب.
إن الرهان الحقيقي هو الانتقال من إصلاح الهياكل إلى إصلاح النتائج، ومن تدبير البرامج إلى تدبير الأثر، ومن مركزية القرار إلى نجاعة الفعل الترابي، حتى تصبح المدرسة العمومية فضاءً للإنصاف والارتقاء الاجتماعي، ورافعة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مغرب أكثر عدالة وتكافؤاً للفرص