المغرب في الرتبة 47 في مؤشر الجوع العالمي
كشف مؤشر الجوع العالمي لعام 2025 عن تحقيق المغرب تقدماً ملموساً في مكافحة الجوع وسوء التغذية، إذ احتل المرتبة السابعة والأربعين عالمياً من أصل 123 دولة شملها التصنيف، محققاً درجة 9.3 على مقياس من 100 نقطة، ما يضعه ضمن فئة “الجوع المنخفض”. التقرير، أبرز أن المملكة واصلت تحسين أدائها على مدى العقدين الماضيين، لكن وتيرة التقدم بدأت تتباطأ بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
فبحسب المؤشر ذاته، كان المغرب قد سجل 15.6 نقطة سنة 2000، ثم 11.5 نقطة في 2008، لينخفض إلى 8.6 نقاط في 2016، ما يعكس مساراً تصاعدياً في تحسين الأمن الغذائي، غير أن الفجوة بين الإنجازات والتحديات الجديدة لا تزال قائمة، خصوصاً في المناطق القروية وشبه القاحلة، التي تتأثر بشكل كبير بتقلبات المناخ وندرة المياه.
ويعتمد المؤشر الدولي على أربعة معايير أساسية لتقييم أوضاع الجوع: نسبة السكان الذين يعانون من نقص التغذية، ومعدل التقزم والهزال لدى الأطفال دون سن الخامسة، إضافة إلى معدل وفيات الأطفال في الفئة العمرية نفسها. وفي هذه المؤشرات جميعها، أظهر المغرب أداءً أفضل من متوسط دول شمال إفريقيا، إذ بلغت نسبة نقص التغذية نحو 6.5 في المائة، فيما بلغت نسبة التقزم 12.8 في المائة، والهزال 2.6 في المائة، أما معدل وفيات الأطفال دون الخامسة فلم يتجاوز 1.6 في المائة، وهي نسب تُصنف ضمن فئة “الجوع المنخفض”.
ويشير التقرير إلى أن المغرب يحتل المرتبة الخامسة عربياً بعد الإمارات والكويت وتونس والجزائر، متقدماً على مصر والأردن وليبيا والعراق. ويعزو التقرير هذا التقدم إلى سياسات اجتماعية واقتصادية فعالة، مثل “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، وبرامج دعم الفئات الهشة، إلى جانب تحسين الولوج إلى المياه الصالحة للشرب، وتوسيع الخدمات الصحية الأولية، والاستثمار في تنمية المناطق القروية.
لكن هذا التحسن، وإن كان ملحوظاً، لم يسلم من تباطؤ في وتيرته خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يتراجع المؤشر سوى بـ 0.7 نقطة بين عامي 2016 و2025. ويرى معدو التقرير أن هذا التباطؤ مرتبط بعوامل خارجية وداخلية متداخلة، من بينها تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، والجفاف المتكرر، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وكلها عوامل قلّصت من قدرة الأسر الفقيرة على تحقيق الأمن الغذائي المستدام.
و يذهب التقرير أبعد من مجرد عرض للأرقام، إذ يُحذر من استمرار الفجوة بين المجالين الحضري والقروي في المغرب، حيث لا يزال نحو 2.4 مليون مغربي يعانون من نقص غذائي مزمن، وتصل معدلات الفقر الغذائي في القرى إلى ثلاثة أضعاف نظيرتها في المدن. وتُظهر هذه المعطيات أن التفاوتات المجالية ما زالت تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي الوطني.
ويؤكد التقرير أن الزراعة تشكل ركيزة أساسية لضمان السيادة الغذائية، غير أن الفلاحين الصغار – الذين يمثلون الغالبية في القطاع – يواجهون تحديات متزايدة تتعلق بالتمويل، والولوج إلى الأسواق، وضعف البنيات التحتية، فضلاً عن هشاشة الإنتاج أمام التغيرات المناخية. ومن هنا، أوصى التقرير بضرورة تعزيز برامج دعم الفلاحين الصغار وتسريع الانتقال نحو الزراعة المستدامة، بما في ذلك الاستثمار في أنظمة الري الذكية، والمحاصيل المقاومة للجفاف، وتطوير شبكات تسويق محلية.
وعلى الرغم من الأداء الإيجابي نسبياً للمغرب مقارنة بجيرانه، فإن التقرير نبه إلى أن الأمن الغذائي الإقليمي ما زال هشاً. فمتوسط مؤشر الجوع في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بلغ 12.5 نقطة، وهو معدل أفضل من إفريقيا جنوب الصحراء، لكنه لا يزال بعيداً عن مستوى “انعدام الجوع”. كما حذر التقرير من أن التقلبات المناخية وتراجع إنتاج الحبوب والاعتماد الكبير على الاستيراد قد تهدد المكاسب التي تحققت خلال العقدين الماضيين.
وعلى الصعيد العالمي، أوضح التقرير أن معدل الجوع بلغ 18.3 نقطة سنة 2025، وهو تحسن طفيف عن عام 2016 (19.0 نقطة)، ما يعني أن التقدم في القضاء على الجوع شبه متوقف، وأن تحقيق هدف “صفر جوع بحلول 2030” أصبح بعيد المنال، إذ يُتوقع أن 56 دولة لن تصل إلى فئة الجوع المنخفض حتى منتصف القرن الحالي.
وعن الدول التي تتصدر المؤشر العالمي، فقد جاءت فنلندا والنرويج وأيرلندا وسويسرا واليابان ضمن مجموعة البلدان التي سجلت أقل من 5 نقاط، أي في مستوى “انعدام الجوع”، بفضل أنظمتها الغذائية المتكاملة وسياساتها الاجتماعية والصحية المتقدمة. في المقابل، تذيلت الصومال وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر وهايتي التصنيف، بمستويات جوع “شديدة القلق”، نتيجة تداخل النزاعات المسلحة والانهيار الاقتصادي والكوارث المناخية.
ويُبرز التقرير أن التمويل الإنساني الدولي يعيش تراجعاً مقلقاً، إذ انخفضت المساعدات بنسبة 9.6 في المائة سنة 2024، بينما ارتفعت النفقات العسكرية إلى 2.7 تريليون دولار، أي مئة ضعف ميزانية الإغاثة العالمية. هذا التناقض، بحسب معدي التقرير، يساهم في تفاقم أزمة الجوع وتهديد الاستقرار الغذائي في عدد من مناطق العالم.
وفي ختام تقريره، يؤكد الخبراء أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق: فبينما نجح في تقليص نسب الجوع والفقر الغذائي إلى مستويات منخفضة تاريخياً، فإن الحفاظ على هذا المنجز يتطلب سياسات أكثر جرأة واستدامة. ويوصي التقرير بضرورة دمج التعليم الغذائي في البرامج المدرسية، ومكافحة السمنة وسوء التغذية الحضرية، إلى جانب تعزيز التكامل بين السياسات الفلاحية والاجتماعية والبيئية.
وبين مؤشرات التحسن ومخاطر التباطؤ، يبدو أن معركة المغرب مع الفقر الغذائي لم تنته بعد، لكنها معركة قابلة للربح إذا ما تم تمكين الفلاحين الصغار ودعم التحول نحو الزراعة المستدامة، بما يضمن حق كل مغربي في غذاء كافٍ وصحي في المستقبل المنظور.