تقرير: شركات المحروقات تربح 900 مليون درهم في شهرين
كشف تقرير حديث لمجلس المنافسة عن معطيات جديدة تعيد الجدل حول أرباح شركات المحروقات إلى الواجهة، بعدما أكّد أن الشركات استفادت بشكل واضح من الانخفاض المسجل في الأسعار الدولية خلال الربع الثاني من سنة 2025، دون أن تعكس ذلك على أسعار البيع للمستهلك بالقدر الكافي. ووفق التقرير، فإن شركات التوزيع لم تمرر سوى نصف الانخفاض المسجل في تكلفة الشراء نحو محطات البيع، محتفظة لنفسها بما يفوق 898 مليون درهم إضافية من المادتين الأكثر استهلاكاً، الغازوال والبنزين.
وبلغة الأرقام، توضح وثيقة المجلس أن تكلفة شراء لتر الغازوال انخفضت في السوق الدولية بنحو 0.98 درهما، إلا أن الشركات لم تخفض سعر التفويت للمحطات سوى بـ0.47 درهما، ما يعني أنها احتفظت بأزيد من نصف قيمة الانخفاض لصالحها. الأمر نفسه سُجل في مادة البنزين، حيث تراجعت تكلفة الشراء بـ0.61 درهما للتر، مقابل 0.32 درهما فقط تم تمريرها للمحطات. ورغم أن قيمة الانخفاض التي لم تنتقل للمستهلك تبدو بسيطة في ظاهرها، إلا أن حجم الاستهلاك خلال الربع الثاني يبرز ضخامتها، إذ بيع ما مجموعه 1.88 مليار لتر من المحروقات خلال الفترة المذكورة.
وباحتساب الفارق بين الانخفاض المفترض والانخفاض الفعلي، بلغت الأرباح الإضافية التي احتفظت بها الشركات أزيد من 815 مليون درهم في الغازوال وحده، بعدما باعت ما يفوق ملياراً و598 مليون لتر، مستفيدة من هامش إضافي يناهز 0.51 درهما عن كل لتر. وفي البنزين، بلغت الأرباح المحققة نحو 83 مليون درهم، نظير بيع 286.8 مليون لتر بهامش إضافي يقدر بـ0.29 درهما للتر. وبهذا، يصل المبلغ الإجمالي الذي استفادت منه الشركات من عدم تمرير الانخفاض كاملاً إلى ما يفوق 898 مليون درهم.
وتفسر وثيقة مجلس المنافسة هذا السلوك بما وصفته بعملية “الاستدراك” بين فترات ارتفاع الأسعار وانخفاضها، معتبرة أن شركات المحروقات خفضت أسعار التفويت في الربع الأول من السنة بوتيرة أعلى من انخفاض تكلفة الشراء، وبالتالي فإن ما حصل في الربع الثاني يدخل في دينامية توازنات متغيرة يعكسها تطور السوق الدولية وتقلباتها.
لكن هذه القراءة لم تقنع فاعلين نقابيين وخبراء، وفي مقدمتهم الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ “سامير”، الذي اعتبر أن الأرقام التي يقدمها مجلس المنافسة “غير دقيقة” وأن شركات المحروقات تحقق، حسب قوله، أرباحاً “فاحشة” تتجاوز بكثير ما تعكسه تقارير المؤسسة الدستورية. وأكد اليماني، أن متوسط الأرباح التي تضيفها الشركات إلى هوامشها منذ تحرير الأسعار سنة 2015 يصل إلى ما بين 1.3 و1.5 درهما في لتر الغازوال، وما بين درهمين و2.5 درهم في البنزين، ما يجعل مجموع الأرباح التي راكمتها الشركات منذ التحرير مرشحاً لبلوغ 90 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، بعدما وصل 80 ملياراً بنهاية 2024.
ويذهب اليماني إلى أن مجلس المنافسة يتجنب الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بالفرق بين هامش الربح قبل التحرير وبعده، وهو ما يعتبره أساس النقاش العمومي حول مشروعية الأرباح التي تحققها الشركات. ودعا رئيس المجلس، أحمد رحو، إلى مناظرة علنية لتوضيح الأرقام وتقديم معطيات دقيقة للرأي العام، معتبراً أن تقارير المجلس “إنشائية” ولا تعكس حقيقة ما يجري بالسوق، وفق تعبيره.
وتزامناً مع الجدل الذي أثاره التقرير، عرفت أسعار المحروقات بالمغرب زيادات جديدة مع بداية الأسبوع الجاري، حيث تجاوز سعر البنزين 12.5 درهما للتر، واقترب الغازوال من 11 درهما. ووفق المعطيات من أرباب محطات التوزيع، فقد شهد النصف الثاني من شهر نونبر الجاري ارتفاعاً بلغ 0.30 درهما في الغازوال و0.06 درهما في البنزين.
ويؤكد اليماني أن الأسعار الحالية تتجاوز تلك التي كانت معتمدة قبل تحرير قطاع المحروقات في نهاية 2015، بزيادة لا تقل عن 1.3 درهما للغازوال وأكثر من درهمين في البنزين، رغم التراجع الملحوظ في الأسعار الدولية. ويرجع هذا الوضع، حسب رأيه، إلى ثلاثة عوامل رئيسية: استمرار تحكم الشركات الكبرى في السوق، وعجز مجلس المنافسة عن ضبط الأسعار بعد الغرامة التصالحية التي سبق أن فرضها، ثم تعطيل نشاط شركة “سامير” التي كان من شأنها أن تساهم في توازن السوق عبر تكرير النفط محلياً.
ولا يقف تأثير هذه الزيادات عند حدود جيوب المستهلكين، بل يمتد إلى المالية العمومية، إذ سجّل التقرير نفسه تراجعاً في التحصيل الضريبي للدولة المرتبط بواردات المحروقات، نتيجة انخفاض قيمة الاستيراد بسبب تراجع الأسعار الدولية، على الرغم من ارتفاع حجم الواردات. ويعتبر خبراء أن هذا المعطى يعكس هشاشة منظومة التسعير الحالية التي تربط مداخيل الدولة بتقلبات لا تتحكم فيها، في مقابل استفادة الشركات من مرونة تحرير الأسعار.
وفي ظل احتدام الجدل، تتجدد المطالب بضرورة عودة الدولة إلى تقنين أسعار المحروقات أو على الأقل وضع سقف لهوامش الأرباح، إلى جانب إعادة تشغيل مصفاة المحمدية لما تمثله من أهمية استراتيجية في السيطرة على كلفة تكرير المواد النفطية وضمان الأمن الطاقي للبلاد. ويؤكد المدافعون عن هذا الخيار أنه أصبح ضرورياً لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل الارتفاعات التي تؤثر مباشرة على أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات.
كما يشددون على ضرورة مراجعة العبء الضريبي المفروض على المحروقات، والذي يشكل جزءاً كبيراً من سعر البيع النهائي، إضافة إلى تدخل الدولة عبر آليات الدعم الظرفي، خاصة عندما تتجاوز الأسعار سقفاً يهدد الاستقرار الاجتماعي ويغذي التضخم.
التقرير الأخير لمجلس المنافسة أعاد النقاش إلى نقطة الصفر، بين من يرى أن الشركات استفادت من هامش مشروع في إطار سوق محررة، وبين من يعتبر أن استمرار الزيادات، رغم تراجع الأسعار عالمياً، دليل على خلل عميق في بنية السوق وغياب شروط المنافسة الحقيقية. وبين هذين الموقفين، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يتحمل عبء الارتفاعات المتواصلة رغم كل الوعود بضمان شفافية الأسعار وحماية القدرة الشرائية.