إضراب وطني يهدد مسار تنزيل قانون الجبايات الجديد 14.25
اعلنت النقابة الديمقراطية للمالية، عن برنامج احتجاجي تصعيدي، رفضاً لتفعيل قانون جبايات الجماعات الترابية، وسط اتهامات بـ”تغوّل” السلطات الترابية وقالت النقابة، إن الخطوات التي باشرتها السلطات الترابية لتطبيق القانون الجديد “تضرب عرض الحائط الحقوق والمكتسبات المهنية لموظفي الخزينة”، وتتم ضمن “ظروف غامضة وملتبسة”، على حد تعبيرها.
وأضافت النقابة أن تفعيل مقتضيات القانون رقم 14.25 يجري “دون احترام للمساطر”، وفي ظل ما وصفته بـ“الارتباك والتضارب في القرارات”، محذّرة من أن هذه الخطوات قد تمسّ بمبدأ الاستقلالية التي يشتغل بها موظفو وزارة المالية في عمليات التحصيل الجبائي.
وأشار البلاغ إلى أن ما تعتبره النقابة “تغوّلاً للسلطات الترابية” بات يهدد “الاستقرار المهني والوظيفي” لمختلف العاملين في الخزينة العامة، معتبرة أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى “إضعاف آليات الرقابة المالية” وخلق حالة توتر داخل المرفق العمومي، بالإضافة إلى أن القرار اتُّخذ دون إشراك الأطر الإدارية المختصة التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية..
وفي سياق ردّها على هذه التطورات، أعلنت النقابة الديمقراطية للمالية عن تنظيم إضراب وطني يوم 27 نونبر الجاري، مرفوقاً بوقفات احتجاجية إقليمية وجهوية، مؤكدة أن هذه المحطة تأتي “دفاعاً عن الحقوق المكتسبة، وللتصدي لأي مساس بالمهام القانونية لموظفي الخزينة”.
كما دعت النقابة كافة مناضليها إلى “التعبئة الشاملة لإنجاح محطة 27 نونبر”، معتبرة أن نجاحها سيكون “رسالة واضحة” للسلطات مفادها أن الجسم المالي “لن يقبل فرض الأمر الواقع”.
وختمت النقابة بلاغها بالدعوة إلى “فتح حوار جاد ومسؤول” مع وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية، بهدف “تجاوز حالة الاحتقان”، مؤكدة استعدادها للمشاركة في أي نقاش “يحترم الأدوار القانونية لكل طرف ويحافظ على السير العادي للمرفق العام.
في تطور غير مسبوق داخل الإدارة المغربية، فجّرت دورية صادرة عن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت موجة غضب واسعة في صفوف موظفي الخزائن الجهوية والقباضات، بعد أن دعت الولاة والعمال إلى الشروع في تنفيذ مقتضيات القانون الجديد المتعلق بجبايات الجماعات الترابية (14.25)، دون العودة إلى مصالح وزارة الاقتصاد والمالية أو إشراك موظفيها المختصين في تدبير عمليات التحصيل. القرار الذي بدا تقنياً في مظهره الأولي، تحوّل خلال أيام قليلة إلى شرارة أعادت إلى السطح صراع النفوذ والصلاحيات بين وزارتي الداخلية والمالية، وهما الجهازان الأكثر ثقلاً داخل الدولة.
وتفيد مصادر نقابية أن القانون، الذي يدخل حيّز التنفيذ مع بداية العام المقبل، سيضع الآلاف من موظفي الخزينة العامة وقباض الجماعات عملياً تحت إشراف الولاة والعمال، بما قد يشكل – وفق تقديرهم – خطوة أولى نحو تغيير إطارهم الوظيفي وتحويلهم إلى موظفين تابعين لوزارة الداخلية، رغم أنهم اختاروا في مسارهم المهني الانتماء إلى أسلاك وزارة المالية. هذا التخوّف، الذي بدأ يتسع يوماً بعد آخر، غذّته طريقة تنزيل الدورية التي وصل صداها إلى جميع الجهات، وسط إحساس متزايد لدى الموظفين بأن القرار اتُّخذ دون استشارتهم.
النقابات الأكثر تمثيلية داخل قطاع المالية، وعلى رأسها النقابة الديمقراطية للمالية التابعة للاتحاد المغربي للشغل، ونقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عبّرت عن رفضها “المطلق” للطريقة التي يجري بها تنزيل القانون الجديد. وأكدت هذه الهيئات أن الوزارة لم تُشركها في النقاش المتعلق بتغيير مهام موظفي الخزينة، معتبرة أن الأمر يشكل “مسّاً خطيراً بالوضعية القانونية والإدارية” لهذه الفئة من الموظفين الذين راكموا خبرة طويلة داخل هياكل المالية.
ومباشرة بعد تداول تفاصيل الدورية، سارعت النقابات إلى إعلان خطوات احتجاجية، شملت زيارة مرتقبة لمسؤولين نقابيين إلى وزارة المالية من أجل لقاء الوزيرة نادية فتاح العلوي، واستفسارها عن خلفيات هذه التحولات التي توصف داخل القطاع بـ“غير المسبوقة”. وفي الوقت ذاته، لوّحت النقابات بخوض إضراب عام يشمل جميع الخزائن الجهوية والقباضات، كوسيلة ضغط لوقف تنفيذ مقتضيات الدورية إلى حين فتح حوار واضح وشفاف حول وضعية موارد المالية البشرية المعنية.
القانون الجديد 14.25، الذي نُشر في الجريدة الرسمية في 12 يونيو 2025، يهدف إلى ملاءمة النظام الجبائي المحلي مع الإصلاح الجبائي الوطني المنصوص عليه في القانون الإطار 69.19. ويمنح هذا القانون للمديرية العامة للضرائب صلاحيات واسعة في مجال إصدار وتحصيل ثلاثة رسوم محلية أساسية: الرسم المهني، ورسم السكن، ورسم الخدمات الجماعية، وذلك وفق مبدأ “من يصدر يتولى التحصيل”. هذا التحول يعني عملياً سحب جزء مهم من اختصاصات الخزائن والقباضات، وتحويله إلى جهاز جبائي آخر، ما فسّره العديد من المتابعين على أنه إعادة توزيع “غير معلنة” للسلط بين الداخلية والمالية.
وبالإضافة إلى ذلك، نص القانون الجديد على تغيير جذري في طريقة احتساب الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، عبر ربط قيمة الرسم بمستوى التجهيز في المناطق المختلفة. وتتراوح قيمة الرسم بين 15 و30 درهماً للمتر في المناطق المجهزة، وبين 5 و15 درهماً في المناطق متوسطة التجهيز، وبين نصف درهم ودرهمين فقط في المناطق ضعيفة التجهيز. ويُشترط أن تُحدَّد هذه التصنيفات بقرار يصدر عن رئيس الجماعة بعد تأشير العامل، اعتماداً على خرائط محدثة وبطاقات توصيفية دقيقة لكل حي أو قطاع.
ورغم أن وزارة الداخلية تؤكد أن الإصلاح سيُسهم في عقلنة الوعاء الجبائي وتبسيط المساطر وتوسيع قواعد التحصيل، فإن نقابات المالية ترى في هذا المسار محاولة واضحة لتعزيز نفوذ السلطات الترابية على حساب الوزارة التي كانت تاريخياً صاحبة اليد الطولى في العمليات المالية المرتبطة بالجماعات. وتعتبر النقابات أن تعيين “قابضين جماعيين” بقرار مشترك بين الوزارتين، مع منحهم صلاحيات مباشرة في التحصيل بما في ذلك المسطرة الجبرية، يمهّد لانتقال أوسع للسلطة من المالية إلى الداخلية.
ولم تُخفِ النقابة الديمقراطية للمالية لهجتها التحذيرية، معتبرة أنّ ما تسميه “تغوّل السلطات الترابية” يهدد الاستقرار المهني لموظفي الخزينة، وقد يمسّ بمبدأ الاستقلالية المالية الذي يضمن الشفافية والمراقبة. وأشار بلاغها الأخير إلى أن الخطوات المنجزة في تنزيل القانون تجري في ظروف “غامضة وملتبسة”، وأن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى “إضعاف آليات الرقابة المالية وخلق حالة توتر داخل المرفق العمومي”.
تطوّر الاحتقان دفع النقابة إلى إعلان إضراب وطني يوم 27 نونبر 2025، مرفوقاً بوقفات احتجاجية جهوية وإقليمية، معتبرة أن هذه المحطة ستكون “رسالة قوية” بأن موظفي المالية لن يقبلوا فرض الأمر الواقع دون ضمانات لمهامهم القانونية وحقوقهم المهنية. كما دعت النقابة مختلف مناضليها إلى التعبئة الشاملة لإنجاح هذا الإضراب، في ظل غياب أي توضيحات رسمية من وزارتي الداخلية والمالية.
وفي خلفية هذا التوتر، يرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز حدود الإصلاح التقني للجبايات المحلية، ليعيد إلى الواجهة الصراع القديم – المتجدد – بين وزارتي الداخلية والمالية حول النفوذ داخل الدولة. فوزارة الداخلية، التي تقود ملفات استراتيجية من قبيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الأطلس، والإعداد للانتخابات، واستراتيجيات الإحصاء، باتت تستعيد تدريجياً موقعها المركزي، في مشهد يعيد إلى الأذهان وصفها التاريخي بـ“أم الوزارات”.
ومع اقتراب موعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، يبدو أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقة بين الجهازين، ومدى قدرة الحكومة على احتواء الاحتقان داخل قطاع يُعدّ من أكثر القطاعات حساسية داخل الإدارة المغربية. فنجاح إصلاح الجبايات المحلية، كما تقول النقابات، لا يمكن أن يتحقق دون “تسوية هادئة ومنصفة” لوضعية الموارد البشرية التي توجد اليوم في قلب هذا التحول المؤسسي الواسع.