مفتشية المالية: وثائق مزورة وشركات صورية تجر مسؤولين ومتعاملين إلى التحقيق
فتحت المفتشية العامة للمالية تحقيقا واسعا وشاملا في ملف بالغ الحساسية يتعلق بعودة مقاولات ومسيرين سبق أن طالتهم قرارات الإقصاء المؤقت أو النهائي من التنافس حول الصفقات العمومية، وذلك بعد ثبوت ارتكابهم مخالفات تسييرية خطيرة، أو تقديم وثائق غير صحيحة، أو التورط في قضايا تزوير قد تكون وصلت إلى القضاء. ووفق معطيات متقاطعة، فقد تبيّن أن عددا من هؤلاء عادوا إلى الساحة من بوابة “شركات صورية”، أو كيانات حديثة التأسيس، يتخفّون خلفها لإعادة دخول المنافسة في صفقات الدولة والمؤسسات العمومية، مستفيدين من ثغرات إدارية ومن تواطؤات غير معلنة داخل بعض المصالح المكلّفة بإطلاق الطلبيات العمومية.
و تشير المعلومات المتداولة إلى أنّ فريقا متخصصا من المفتشية العامة للمالية سرّع خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة عمليات التدقيق، وركز بشكل خاص على تتبع هوية المسيرين والعلاقات التي تربطهم بمقاولات سبق أن صدرت في حقها عقوبات بالإقصاء وفق مقتضيات المادة 152 من مرسوم الصفقات العمومية المعمول به منذ مارس 2023. ويتعلق الأمر بشبهات ارتباط مباشر أو غير مباشر بين بعض المسيرين وشركات جديدة تشارك في طلبات عروض مهمة رغم أنهم خضعوا لعقوبات صارمة بسبب استعمال وثائق مزورة، أو تقديم شهادات خبرة غير صحيحة، أو ارتكاب مخالفات جسيمة في تنفيذ التزامات تعاقدية سابقة.
و جاء تحرك المفتشية العامة للمالية عقب توصلها بإشعارات من آمرين بالصرف ومسؤولين بأقسام المشتريات في مؤسسات عمومية، أثارت الشكوك حول مقاولات حصلت أخيرا على صفقات، ثم سجّلت تعثرا واضحا في تنفيذ الأشغال أو توريد المعدات. وتفيد هذه الإشعارات بأن مسيري تلك المقاولات سبق أن كانوا في مواقع تدبير شركات أقصيت من الصفقات لأسباب مختلفة، بعضها اتخذ شكل قرارات رسمية صادرة عن السلطات الحكومية المختصة، وبعضها جاء نتيجة توصيات من اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية.
التدقيقات الجارية لا تقتصر على الصفقات الجديدة فقط، بل تمتد إلى صفقات سابقة أنجزتها شركات تبين لاحقا أن مسيريها كانوا موضوع عقوبات بالإبعاد عن مجال الصفقات العمومية. فحسب المعطيات المتوفرة، فإن بعض تلك الصفقات قد يكون تضمن وثائق مشكوك في صحتها، تشمل شهادات عمل وخبرة، وشهادات تسوية جبائية، ووثائق جودة مزعومة، تم تقديمها خلال مرحلة الترشيح للحصول على صفقات كبيرة، ما جعل الشكوك تتعزز حول طرق حصول هؤلاء المتنافسين على تلك العقود.
وتشير التحقيقات كذلك إلى أن مجموعة من التصريحات بالشرف التي التزم فيها المتنافسون بصحة المعطيات التي قدموها، اتضح لاحقا أنها مبنية على معلومات غير دقيقة أو غير مطابقة للواقع، وهو ما يطرح إشكاليات كبيرة تتعلق بسلامة مساطر التفويت واحترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وقد نبّهت المصالح الرقابية بوزارة الاقتصاد والمالية مختلف الآمرين بالصرف إلى ضرورة إحالة ملفات الشركات المتورطة في الإدلاء بوثائق مزورة على النيابة العامة المختصة قبل الشروع في تطبيق مسطرة فسخ الصفقات. كما شدّدت على أهمية التطبيق الصارم للمادة 152 من مرسوم الصفقات، التي تتيح لصاحب المشروع اتخاذ قرار الإقصاء المؤقت أو النهائي في حق أي متنافس ثبت تورطه في الإدلاء بتصريح بالشرف يتضمن معلومات غير صحيحة أو تقديم وثائق مزورة، أو ثبت ارتكابه أعمال غش أو رشوة أو مخالفات متكررة لشروط العمل.
وتأتي هذه التطورات في سياق نقاش وطني متجدد حول الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية، والذي يظل موزعا بين نصوص متعددة صادرة عن رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد والمالية، مما يجعل الكثير من المتخصصين يطالبون بوضع «مدونة موحدة للصفقات العمومية» تكون بمثابة إطار تشريعي جامع وواضح، يسد الثغرات التي تتسبب في رفع كلفة المشاريع العمومية، وتفتح الباب أمام اختلالات كبيرة تستنزف المال العام.
التحقيقات الحالية تسلط الضوء أيضا على ظاهرة توسع عدد من المقاولات في استعمال شركات وهمية أو مرتبطة بها بشكل غير معلن، بهدف خلق منافسة صورية داخل طلبات العروض وضمان الحصول على الصفقات عبر تقديم عروض متعددة من نفس المجموعة لكن بأسماء مختلفة. وتؤكد مصادر متابعة أن بعض هذه الشركات أصبحت بارعة في الالتفاف على القوانين، من خلال تأسيس كيانات ذات أسماء متقاربة أو مماثلة، أو نقل أسهم الملكية بين الأقارب ومعارف المسيرين، من أجل إخفاء هوياتهم الحقيقية أمام لجان تقييم العروض.
وتطرح هذه الممارسات إشكالات عميقة في منظومة الصفقات العمومية بالمغرب، باعتبار أن هذا المجال يشكل أحد أكبر مصادر الإنفاق العمومي، ويفترض فيه أن يكون أداة لتحقيق النجاعة وتطوير الخدمات والبنيات الأساسية. غير أن الثغرات رافقتها تجاوزات خطيرة في مراحل مختلفة من إعداد دفاتر التحملات إلى تقييم العروض ثم تتبع تنفيذ الصفقات، ما يؤدي في النهاية إلى مشاريع متعثرة، أشغال متوقفة، أو تجهيزات لا تستجيب للمعايير المطلوبة.
وتؤكد المعطيات أن بعض دفاتر التحملات يتم تفصيلها أحيانا بشكل يجعلها تناسب شركة معينة دون غيرها، مستفيدة من الحصول المسبق على معلومات تقنية أو مالية لا يفترض توفرها إلا بعد إعلان المنافسة، وهو ما يندرج ضمن ما يشبه «استغلال المعطيات الداخلية» الذي يحول المنافسة إلى مجرد إجراء شكلي، ويفرغ مسطرة طلب العروض من مضمونها الحقيقي.
التحركات الرقابية الأخيرة تعتبر فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للصفقات العمومية، وإعادة الثقة في هذه الآلية التي تمثل إحدى الركائز الأساسية لتدبير المال العام. فمحاربة الشبهات والتواطؤات والغش لا يمكن أن تتم فقط عبر النصوص القانونية، بل تحتاج إلى يقظة مؤسساتية دائمة، وإلى تعاون وثيق بين المفتشيات العامة واللجان التقنية داخل الإدارات العمومية، وإلى شجاعة الآمرين بالصرف في الإبلاغ عن كل اختلال قد يؤثر على شفافية ونزاهة العمليات التعاقدية.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات النهائية، يبقى الرهان الأكبر متمثلا في وضع حد نهائي لعودة «الممنوعين» من الصفقات عبر واجهات قانونية مزيفة، وتعزيز الرقابة القبلية والبعدية على المقاولات، وتوسيع استعمال الرقمنة لتتبع هوية المسيرين، وضمان عدم تكرار أسماء أو وكلاء في شركات متعددة تشارك في نفس المنافسات. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من إغلاق كل المنافذ التي تتيح استمرار الممارسات غير السليمة داخل أحد أهم أبواب الإنفاق العمومي في البلاد.