تقرير: المغرب غرق في المديونية… ارتفاع مديونية المغرب إلى تريليون درهم
تدخل المالية العمومية المغربية مرحلة دقيقة في سنة 2025، مع توقعات رسمية وشبه رسمية بارتفاع غير مسبوق في مستويات المديونية وتفاقم عجز الخزينة، وفق تقرير حديث صادر عن مركز الأبحاث “التجاري غلوبال ريسيرش” (AGR). ويكشف التقرير، المعنون بـ”Budget Focus”، أن الوضعية الميزانياتية للمملكة مرشحة للاستمرار تحت ضغوط قوية خلال السنة المقبلة، بفعل تزايد الحاجة إلى التمويل وتباطؤ استعادة التوازنات الماكرو–اقتصادية رغم التحسن المتوقع في النمو.
وبحسب تقديرات المركز، ينتظر أن يبلغ عجز خزينة الدولة حوالي 58.2 مليار درهم في نهاية 2025، وهو ما يعادل 3.5% من الناتج الداخلي الخام. هذا الرقم يعكس – وفق المراقبين – استمرار هشاشة ميزانية الدولة رغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لفتح أوراش إصلاحية واسعة في قطاعات الحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي وتحديث الإدارة. ورغم أن عجز الميزانية يظل ضمن مستويات “قابلة للتحكم” مقارنة بالسنوات التي تلت الجائحة، إلا أن الأرقام الجديدة تؤكد أن المنحنى العام ما يزال مائلاً نحو المزيد من الضغط على الموارد المالية للدولة.
ويضيف التقرير أن دين الخزينة سيواصل مساره التصاعدي، متجاوزاً عتبة 1.1 تريليون درهم ليصل تحديداً إلى 1.140 تريليون درهم خلال 2025، مقابل 1.082 تريليون درهم في 2024. هذا الارتفاع يعيد إلى الواجهة النقاش الوطني حول قدرة الاقتصاد المغربي على تحمل مستويات مرتفعة من الديون، خاصة أن أغلب الإصلاحات الكبرى – من تعميم التغطية الاجتماعية إلى الاستثمار في البنيات التحتية – تتطلب موارد مالية ضخمة لا يمكن توفيرها دون اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.
ومن المنتظر، وفق التقرير نفسه، أن يبلغ الدين الداخلي للخزينة 830 مليار درهم سنة 2025، بزيادة قدرها 2.3% مقارنة بنهاية 2024. ويظل هذا النوع من الديون الأقل كلفة والمفضّل لدى الحكومة، لأنه يعتمد على الاكتتابات المحلية ولا يعرّض المغرب لتقلبات أسواق المال الدولية. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته تحديات أخرى، أهمها مزاحمة القطاع الخاص على التمويل وارتفاع كلفة خدمة الدين الداخلي على المدى المتوسط والبعيد.
في المقابل، يتوقع أن يقفز الدين الخارجي من 270 مليار درهم إلى 309 مليارات درهم، أي بزيادة كبيرة تناهز 14.7% في سنة واحدة. ويعكس هذا الارتفاع رغبة الدولة في تنويع مصادر التمويل والاستفادة من التمويلات الدولية الميسرة التي تمنحها المؤسسات المالية الكبرى كالبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية وصندوق النقد الدولي. كما أنه يعبر عن اعتماد متزايد على الأسواق الدولية لتوفير سيولة أكبر وتمويل مشاريع ذات طابع استراتيجي أو اجتماعي.
وعلى مستوى المؤشرات النسبية، يسجل التقرير أن مديونية الخزينة ستستقر عند حوالي 68.5% من الناتج الداخلي الخام في 2025، وهي نسبة تعطي انطباعاً بوجود هامش مقبول لمزيد من الاقتراض، لكنها في الوقت نفسه تعكس هشاشة مالية قائمة إذا ما حصلت صدمات خارجية أو تراجعت وتيرة النمو. وبحسب البيانات المفصلة، يُرتقب أن تستقر المديونية الداخلية عند 51.2% من الناتج في أكتوبر 2025، لتنخفض قليلاً إلى 49.9% في نهاية السنة، بينما ستقفز المديونية الخارجية من 16.9% نهاية 2024 إلى 18.6% سنة 2025.
هذه الأرقام تعكس واقعاً معقداً: المغرب في حاجة مستمرة إلى تمويلات كبيرة بسبب طبيعة الأوراش التنموية التي انخرط فيها خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها مشروع الحماية الاجتماعية، وتوسيع رقعة الاستثمار العمومي، وتطوير البنيات التحتية، إضافة إلى التحولات المناخية التي تفرض استثمارات ضخمة في الأمن المائي والطاقات المتجددة. كل ذلك يجعل الاقتراض خياراً شبه إلزامي لضمان استمرار هذه المشاريع دون توقف.
لكن في المقابل، يثير تصاعد المديونية مخاوف حقيقية لدى عدد من الخبراء، خاصة فيما يتعلق بتأثيرها على مستقبل الاستقرار المالي وقدرة الدولة على تحمل كلفة خدمة الدين التي تلتهم جزءاً مهماً من الميزانية. ويذهب بعض المحللين إلى التحذير من “تآكل هامش المناورة” لدى الحكومة، إذ إن ارتفاع المديونية قد يعرقل قدرة البلاد على مواجهة الأزمات المستقبلية أو تمويل إصلاحات جديدة دون زيادة الضرائب أو توسيع دائرة الاقتراض.
ويكشف تحليل تقرير AGR أن تحسن النمو الاقتصادي المتوقع في 2025 بنسبة 4.6% – وفق مشروع قانون المالية – لن يكون كافياً لوحده لتصحيح الاختلالات القائمة، لأن وتيرة الإنفاق العمومي تتقدم بوتيرة أسرع من وتيرة ارتفاع الموارد الجبائية والمالية. كما أن التقلبات المناخية وارتفاع الفاتورة الطاقية وتزايد الضغط الاجتماعي كلها عوامل تجعل أي توقعات متفائلة مرتبطة دائماً بقدر كبير من الحذر.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الدولة على الاستثمار العمومي كقاطرة للنمو، يرى مراقبون أن التركيز المفرط على التمويل عبر الاقتراض قد يتحول إلى عبء ثقيل إذا لم يترافق مع إصلاح ضريبي عميق يوسع الوعاء الجبائي ويحسن العدالة الضريبية، ويعزز مساهمة المقاولات الكبرى والقطاعات غير المهيكلة في الخزينة.
كما أن تحسين نجاعة الإنفاق العمومي أصبح ضرورة ملحة، إذ إن نجاح الدولة في خفض مستويات الهدر وتحسين الحكامة في تدبير المشاريع الاستثمارية قد يمثل عاملاً حاسماً في الحد من الحاجة المتزايدة إلى الاقتراض، ومع ذلك، لا يزال المغرب، مقارنة بعدد من الدول الناشئة، يحتفظ بنقاط قوة مهمة، أبرزها استقراره السياسي، وقدرته على الوصول إلى مصادر تمويل دولية بشروط ميسرة، وثقة المؤسسات المالية العالمية في إصلاحاته الاقتصادية. غير أن الحفاظ على هذه النقاط يتطلب سياسة مالية أكثر حذراً وتوازناً، خصوصاً في ظل تزايد التحديات التي يفرضها الوضع الاقتصادي الدولي المتقلب.
و تؤكد الأرقام التي كشف عنها مركز “التجاري غلوبال ريسيرش” أن الحكومة المغربية ستواصل تكثيف عمليات الاقتراض، سواء من السوق الداخلية أو من المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، لتمويل برامجها الاجتماعية والاستثمارية. هذا التوجه، وإن كان يتيح للحكومة الحفاظ على وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى، إلا أنه يطرح أسئلة جوهرية حول الثمن الحقيقي الذي يؤديه المواطن المغربي اليوم، والثمن الأكبر الذي قد تؤديه الأجيال المقبلة.
فخلال السنوات الأخيرة، أصبح البنك الدولي واحداً من أهم الممولين الأساسيين لعدد من البرامج الحيوية في المغرب، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية، وتطوير البنى التحتية، وبرامج دعم الفلاحة، والمياه، والطاقة. وفي كل مرة تعلن الحكومة عن التوصل إلى اتفاق قرض جديد، تتجدد النقاشات حول مدى انعكاس ذلك على الوضع المعيشي للمواطنين، خاصة أن جزءاً كبيراً من هذه الديون ينتهي بأعباء مالية إضافية يتحملها دافعو الضرائب.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لم يعد خياراً ظرفياً مرتبطاً بالأزمات الطارئة، بل أصبح نمطاً ثابتاً في تدبير المالية العمومية. ومع أن الحكومة تؤكد أن هذه القروض تُوجه لتمويل مشاريع ذات مردودية اجتماعية أو اقتصادية عالية، إلا أن متتبعي الشأن المالي يعتبرون أن توسع دائرة الاقتراض يحمل في جوهره مخاطر كبيرة، خاصة في ظل غياب رؤية مالية واضحة على المدى البعيد لضمان خفض المديونية تدريجياً.
ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار الحكومة في الاقتراض بوتيرة مرتفعة يعني أن المواطن المغربي يعيش عملياً تحت ضغط مزدوج ضغط مباشر يتمثل في الضرائب والرسوم التي تتزايد سنة بعد أخرى، وضغط غير مباشر يتمثل في ارتفاع المديونية التي ستنعكس آجلاً أو عاجلاً على مستوى الخدمات العمومية، وجودتها، وفرص الشغل، والقدرة الشرائية، كما أن الاعتماد المتزايد على التمويلات الدولية يعمّق ارتباط الاقتصاد المغربي بالمؤسسات المالية الخارجية، وهو ما قد يحد من هامش استقلالية القرار المالي الوطني، ويضع ميزانية الدولة تحت رحمة التقييمات الدورية لهذه المؤسسات وشروطها التي قد تتجه مستقبلاً نحو مزيد من الصرامة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن ضرورة مواصلة تنفيذ البرامج الاجتماعية الكبرى، مثل تعميم التأمين الصحي والدعم المباشر للأسر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يمكن لبلد بمستوى نمو متقلب ومديونية مرتفعة أن يستمر في تمويل هذه البرامج أساساً بالاقتراض؟ وإذا كان الجواب نعم على المدى القصير، فإن الجواب يصبح شديد التعقيد على المدى الطويل.
فالمغرب اليوم أمام مفترق طرق إما أن يواصل الاعتماد المكثف على القروض، ما سيجعل المديونية ترتفع أكثر وتضغط على ميزانيات المستقبل، وإما أن يفتح ورشاً حقيقياً لإصلاح المالية العامة يقوم على رفع مردودية الجبايات، ومحاربة التهرب الضريبي، وتوسيع الوعاء الضريبي، وترشيد نفقات الدولة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المغاربة – سواء اليوم أو في المستقبل – يتحملون فعلياً كلفة استمرار الدولة في الاقتراض. فبين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه في مواجهة تحديات متزايدة، بينما تزداد أعباء المديونية بوتيرة أسرع مما يمكن للاقتصاد امتصاصه.
ويبقى السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً: إلى أي مدى يمكن للحكومة أن تواصل الاقتراض دون أن يتحول الأمر إلى عبء ثقيل يقيد خيارات المغرب التنموية مستقبلاً؟ الجواب مرتبط بمدى قدرة الدولة على خلق توازن بين حاجتها إلى التمويل ورغبتها في الحفاظ على استدامة مالية عمومية صحية، وبين الحفاظ على حقوق المواطن وعدم تحميله أعباء إضافية دون مردود ملموس.