الجبل.. الأصل الصامت الذي نحت المغرب.

0

 

*الحسن إدوعزيز

في اليوم العالمي للجبل، الذي أقرّته الأمم المتحدة منذ 11 دجنبر 2002، لا بد بأن نعيد الجبل في المغرب إلى الواجهة ليس كعنصر طبيعي صامت، بل كفاعل خفي شكل هذا البلد عبر امتداده الزمني الطويل.

فالمتأمل لتاريخ المغرب سرعان ما يدرك أن الجبل لم يكن مجرد شكل تضاريسي وجغرافي، بل ربما الأصل الذي نحت هذا الكيان، والركيزة التي صنعت استمراره ومناعته وفرادته. وأي محاولة لقراءة المغرب دون وضع الجبل في قلب أدواره التاريخية ليست سوى تعال مقصود على الواقع.

لم يكن الجبل بالمغرب أبدا عائقا يقاوَم، بل كان خزانا طبيعيا وبشريا وثقافيا استقرت فيه اللغة، وتحصّنت به القيم، وتشكل فيه الوجدان المغربي بصلابة أهله.. بل ومنه انطلقت المبادرات الكبرى التي أعادت رسم ملامح المغرب بمفهومه التاريخي الممتد..، فالجبل ظل على الدوام فضاء حرا عصيا على الاختراق، وقادرا على حماية نفسه بإنتاج أشكال تضامن وتدبير واستغلال اجتماعي ربما لم تتح للسهول المفتوحة على المجهول…

ولأن الجبل ظل يتحكم في الممرات، فقد تحكم بقوة في مسار التاريخ. فهو الذي ضبط الممرات بين الجنوب والشمال، وبين الشرق والغرب، وضبط معها الحركة التجارية والتحركات العسكرية..، ففرض شروطه بقوة.. مما جعله على الدوام مركزا غير معلن للسياسة والحكم..، ولو من وراء ستار.. وجعل دوره مباشرا وبارزا في تحديد اتجاه الرياح في اللحظات الحاسمة لكل صعود.. وعقب كل انهيار..

ورغم كل الصور النمطية التي اختزلته في مقولات القسوة والشح والهامش..، فقد ظل الجبل على مدى قرون رمز الخصب وموطن الخير والمطر والينابيع، كما ظل “بلاد الأرزاق الواسعة في الجبال المنيعة” حسب على حد تعبير صاحب “المُعجب”… ومنه خرجت قواعد “التوحيد” الاجتماعي الصلبة التي صنعت أعظم كيانات الغرب الإسلامي التي لم تغير وجه المغرب فقط، بل انطلقت لتعيد تشكيل مجال المتوسط برمته…

ولهذا فاستحضار الجبل اليوم واجب معرفي قبل أن يكون احتفالا.. لأن مغرب الخصوصية والتنوع الذي نتحدث عنه اليوم نتاج هذه الكتلة الجغرافية–التاريخية التي وإن ظلت صامتة وجامدة في ظاهرها، فإنها ديناميكية وفاعلة في عمقها… وإعادة الاعتبار إليها ليست مسألة ترف أو تراث أو وجدان..، بل شرطا أساسيا لفهم الذات… فبدون الجبل، لا يمكن فهم المغرب بجغرافيته واقتصاده وتاريخه..، وصلابته التي مكنته من الصمود في وجه التحديات.. والتحولات والانكسارات… فمن بين مرتفعاته وفجاجه تشكل هذا البلد، وتشكل وعيه بذاته وبالمحيط.. ومن هذا الأصل يجب أن نبدأ..، إذا أردنا فعلا أن نفهم إلى أين نمضي ونسير…
وكل عام والجبل وأهله بألف خير

*أستاذ تاريخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.