نقابات الصحة تتهم الحكومة بخرق الالتزامات وتلوّح بإضراب وطني

0

 

تتجه الأوضاع داخل قطاع الصحة العمومية إلى مزيد من الاحتقان، في ظل تصعيد نقابي غير مسبوق ينذر بشلل محتمل للخدمات الصحية. فقد أعلنت المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية في القطاع عن برنامج نضالي تصعيدي، يتصدره إضراب وطني شامل، احتجاجًا على ما تعتبره “قرارات أحادية” اتخذتها الحكومة في ملف إصلاح المنظومة الصحية، وعلى رأسها تعميم المجموعات الصحية الترابية دون تقييم مسبق أو توافق مع الفرقاء الاجتماعيين.
ويأتي هذا التصعيد في سياق جدل متزايد أعقب اجتماعًا لمجلس الحكومة، جرى خلاله الترويج لنجاح تجربة المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، بالتوازي مع المصادقة على مراسيم تحدد تاريخ الشروع الفعلي في اشتغال 11 مجموعة صحية ترابية بمختلف جهات المملكة. غير أن النقابات تعتبر هذا التوجه خطوة متسرعة تفتقر إلى رؤية واضحة، وتكرس تضليلًا للرأي العام بخصوص واقع إصلاح المنظومة الصحية، في ظل غياب أي تقييم علمي أو مؤسساتي للتجربة النموذجية.
وترى النقابات أن هذا المسار يتعارض بشكل صريح مع روح ومضمون الاتفاق الموقع مع الحكومة في يوليوز 2024، والذي اعتُبر حينها أرضية حد أدنى لضمان انتقال سلس نحو المنظومة الصحية الجديدة. فقد نص الاتفاق على تنزيل متدرج ومشترك للإصلاح، يقوم على تثمين الموارد البشرية، والحفاظ على الحقوق المكتسبة، وإشراك الفرقاء الاجتماعيين في مختلف مراحل التنفيذ، باعتبارهم عنصرًا أساسيًا في إنجاح أي إصلاح هيكلي.
غير أن ما جرى على أرض الواقع، وفق الفاعلين النقابيين، هو العكس تمامًا؛ إذ تم تسريع إصدار مراسيم تنظيمية تمس البنية الهيكلية للقطاع، في مقابل تأخر غير مبرر في تفعيل المقتضيات المرتبطة بالوضعية المهنية والاجتماعية لمهنيي الصحة. وهو ما عمّق منسوب التوتر، وأعاد ملف الاتفاق إلى واجهة الاحتجاج، خاصة مع تنامي الإحساس بغياب الجدية في احترام الأولويات التي بُنيت عليها التعهدات السابقة.
وتؤكد النقابات أن الحديث عن نجاح تجربة جهوية دون تقييم يطرح أكثر من علامة استفهام، إذ لا يمكن، في نظرها، قياس النجاح بمعزل عن مؤشرات واضحة تتعلق بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتحسن ظروف عمل المهنيين، وجاذبية المنظومة الصحية في استقطاب الموارد البشرية. فإلى حدود اليوم، لا تزال مظاهر الاكتظاظ ونقص الأطر والتجهيزات حاضرة بقوة، فيما لم يلمس المواطن أي تحول نوعي في الخدمات، ولم يشعر العاملون في القطاع بأي تحسن ملموس في أوضاعهم.
وتذهب النقابات إلى اعتبار أن الترويج لنجاح غير مثبت يدخل في إطار توظيف سياسي لملف حساس، خاصة في سياق يقترب من استحقاقات انتخابية، ما يثير مخاوف من أن يكون التعميم السريع للمجموعات الصحية الترابية مجرد هروب إلى الأمام، بدل أن يكون خطوة مدروسة قائمة على التقييم والتصحيح.
وفي هذا الإطار، تشدد الهيئات النقابية على أن مطلبها لا يتمثل في فتح حوار جديد من الصفر، بل في تفعيل الاتفاق الموقع واحترام مضامينه، باعتباره الحد الأدنى الذي يسمح بولوج المنظومة الصحية الجديدة بنوع من الثقة والإيجابية. كما تؤكد أن تثمين الموارد البشرية يشكل إحدى الركائز الأساسية للإصلاح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستمرار في التعامل مع العنصر البشري بمنطق ثانوي أو هامشي.
وتعتبر النقابات أن اعتماد جهة واحدة كنموذج للتنزيل كان يفترض أن يتم في إطار مواكبة مشتركة وتقييم مرحلي قبل الانتقال إلى التعميم. غير أن الوزارة، بحسب تعبيرها، اختارت السير في اتجاه مغاير، عبر تعميم التجربة على 11 جهة دفعة واحدة، رغم حداثة التجربة النموذجية، ودون الوقوف على اختلالاتها المحتملة، سواء على مستوى الحكامة أو النجاعة أو الأثر الاجتماعي والمهني.
كما تسجل الهيئات النقابية ما تصفه بتنصل الحكومة من التزاماتها السابقة، خاصة في ما يتعلق بإصدار النصوص التنظيمية الأساسية المرتبطة بالوظيفة الصحية، مثل مركزية الأجور، والحفاظ على صفة الموظف العمومي، والحركة الانتقالية، والتعويض عن المناطق الصعبة، والجزء المتغير من الأجر، والتعويضات الجديدة. وترى أن هذا التأخر يساهم في تعميق فقدان الثقة، ويغذي الإحساس بالحيف وعدم الإنصاف داخل القطاع.
وفي خضم هذا الوضع، تجدد النقابات دعوتها إلى تغليب منطق الحكمة والمسؤولية، ووقف القرارات الأحادية، والعودة العاجلة إلى حوار اجتماعي حقيقي وجاد، قائم على احترام الالتزامات، والتقييم الموضوعي للتجارب، والإشراك الفعلي لمهنيي الصحة، بما يضمن الحفاظ على السلم الاجتماعي، وصون حق المواطنات والمواطنين في خدمة صحية عمومية عادلة، منصفة، وذات جودة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.