دراسة: 73% من المغاربة يثقون في القضاء
تشير معطيات حديثة إلى تحوّل لافت في علاقة المغاربة بالمؤسسة القضائية، بعدما سجلت مستويات الثقة في القضاء ارتفاعًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغت نسبة المواطنين الذين يعبّرون عن ثقة جزئية أو كبيرة في المحاكم المغربية 73% سنة 2024، مقابل 34% فقط سنة 2013، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في صورة العدالة داخل الوعي الجماعي. هذا التحسن لا يقتصر على الثقة العامة، بل يشمل أيضًا الإحساس بإمكانية الولوج العادل إلى القضاء، حيث عبّر عدد مماثل من المستجوبين عن اعتقادهم بأن المواطن العادي يمكنه بالفعل إنصاف نفسه أمام المحاكم دون تمييز.
وتبرز هذه الثقة بشكل أوضح لدى فئات اجتماعية معينة، إذ سجلت النساء مستويات أعلى من الثقة مقارنة بالرجال، كما عبّر سكان الوسط القروي عن نسب ثقة لافتة تجاوزت تلك المسجلة في المدن. ويعكس هذا المعطى توسّع أثر الإصلاحات القضائية ليشمل مختلف المجالات الترابية والفئات المجتمعية، بما في ذلك المناطق التي كانت تُعتبر سابقًا أقل استفادة من الخدمات العمومية. كما يعكس في العمق تحسن صورة القضاء باعتباره مؤسسة أقرب إلى المواطن وأكثر قدرة على ضمان الحقوق والحريات.
في السياق ذاته، يلاحظ تراجع ملموس في التصورات السلبية المرتبطة بالفساد داخل جسم العدالة. فقد انخفضت بشكل كبير نسبة من يعتقدون أن معظم القضاة أو كلهم فاسدون، مقابل ارتفاع واضح في نسبة من يرون أن القضاء أصبح أكثر نزاهة، وأن الفساد لم يعد ظاهرة عامة. وعلى الرغم من استمرار الاعتقاد بوجود فساد لدى “بعض” القضاة، فإن الاتجاه العام يعكس تراجع صورة “القاضي الفاسد” التي كانت سائدة خلال فترات سابقة، ما يشير إلى تغير تدريجي في المخيال المجتمعي تجاه العدالة.
و بحسب دراسة صادرة عن شبكة أفروباروميتر، المتخصصة في قياس تقييم المواطنين للديمقراطية والحوكمة في إفريقيا، فإن هذا التحسن في منسوب الثقة ترافق مع إدراك متزايد باستقلال القضاء المغربي نسبيًا عن تأثيرات النفوذ والسلطة. فقد أفاد 59% من المستجوبين بأن المعاملة غير المتساوية أمام القانون نادرة أو غير موجودة، بينما يرى 57% منهم أن القضاة نادرًا ما يخضعون لتأثير ذوي النفوذ، وهو ما يعكس إحساسًا عامًا بوجود تقدم في ترسيخ مبادئ الاستقلال والحياد داخل المنظومة القضائية.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي وجود مفارقات وتحديات بنيوية. إذ ما زالت فئة معتبرة من المواطنين تعتقد أن بعض المسؤولين الذين يخرقون القانون يفلتون من العقاب، وأن هناك تساهلًا أكبر مع المتنفذين مقارنة بالمواطنين العاديين. ويعكس هذا الرأي استمرار فجوة في الثقة الكاملة، ويؤكد أن مسار تكريس المساواة أمام القانون ما زال يتطلب مزيدًا من الجهود العملية، خاصة على مستوى التطبيق والصرامة في إنفاذ الأحكام.
ومن أبرز العراقيل التي تحدّ من تعميم الثقة في العدالة، تبرز الكلفة المادية للولوج إلى القضاء. فعدد مهم من المواطنين يعتبر أن رفع دعوى قضائية يشكل عبئًا ماليًا يفوق إمكاناتهم، سواء تعلق الأمر بمصاريف التقاضي أو أتعاب المحامين أو تكاليف المساعدة القانونية. وتشير المعطيات إلى أن أقل من نصف المستجوبين فقط يصرّحون بقدرتهم على تحمل كلفة رفع دعوى، في حين يرى أكثر من نصفهم أنهم غير قادرين على تحمل مصاريف الاستشارة أو الدفاع القانوني.
ويتعزز هذا التحدي بضعف الوعي بخدمات المساعدة القانونية المتاحة، حيث لا يعلم بوجودها سوى أقل من ثلث المواطنين. ويكشف هذا المعطى عن خلل واضح في التواصل والتحسيس، ويطرح الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر فعالية لتقريب العدالة من المواطن، ليس فقط عبر الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، بل أيضًا من خلال دعم مالي وتواصلي يضمن حق الجميع في الولوج المتكافئ إلى القضاء.
في المجمل، تعكس هذه المؤشرات مسارًا إصلاحيًا إيجابيًا يعيد بناء الثقة في القضاء المغربي، لكنه يظل مسارًا غير مكتمل ما دامت العدالة مكلفة أو غير معروفة الآليات بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع.